أبي النصر محمد بن عبد الجبار العتبي

165

تاريخ اليميني ( تاريخ العتبي )

ولما أحس الأمير سيف الدولة بصورة الحال في تناقض الآراء ، وتخاذل التدابير « 1 » والأهواء ، وإشراف الملك على الضياع ، بمداهنة النصحاء ، واعتيامهم « 2 » صلاح أنفسهم في وجوه المقاصد والأنحاء ، عدل إلى نيسابور على ما كان يليه من جماهير أوليائه ومواليه . وحين سمع بكتوزون بإقباله ، تزحزح عن نيسابور قصيّا ، إبقاء على عدته وعتاده ، وإشفاقا على عدد رجاله وأجناده . وكتب إلى الأمير أبي الحارث بفصوله عن مكانه أخذا بالوثيقة ، ومحاماة على الحقيقة ، واحتراسا من غرّة اللقاء قبل اختمار العزيمة والرأي ، فحملته سكرة الحداثة ، ونزقة الصبا والغرارة ، وقلة النظر في العواقب ، وعدم الحظ من التجارب ، على الإغذاذ « 3 » إلى خراسان فيمن أنهضه الإمكان بالمساعدة من وجوه خاصته وسائر « 4 » حاشيته . وسار إلى سرخس كالسهم صادرا عن وتره ، والسيل سائرا [ 89 ب ] إلى منحدره . فعلم الأمير سيف الدولة أن قصده إياه من نتائج التغرير ، وفائل « 5 » الرأي والتدبير ، ومهانة الناصح والمشير ، إذ لم يكن في منّة « 6 » القوم مقاواته على شده بأسه ، وملاقاته على قوة مراسه ، إذ لو قذفهم ببعض رجومه لغادرهم رمادا تذروه العواصف ، وتقتسمه الشمائل والجنائب ، لكنه « 7 » رأى أن يغضي جفن الاحترام ، ويحمي ستر الاحتشام ، ويرعى سابق الحق والذمام ؛ فخالف طريقه إلى مرو الروذ مفرجا له عن نيسابور ، إلى أن يتمكن من ارتجاعها ببينة تشترك في معرفتها القاصية « 8 » والدانية ، وحجة على مناوئيه ومخالفيه تتصورها الحاضرة والبادية . وعطف إلى قنطرة زاغول « 9 » فخيّم بها مراعيا لما يسفر عنه التدبير ، وينكشف عن حقيقته الضمير .

--> ( 1 ) وردت في ب : التدبير . ( 2 ) وردت في ب : واغتنامهم ، والاعتيام : الاختيار . ابن منظور - لسان العرب ، مج 12 ، ص 433 ( عيم ) . ( 3 ) الإسراع في السير . ابن منظور - لسان العرب ، مج 3 ، ص 501 ( غذذ ) . ( 4 ) إضافة من ب . ( 5 ) ضعيف . ابن منظور - لسان العرب ، مج 11 ، ص 534 ( فيل ) . ( 6 ) المنّة : القوة . ابن منظور - لسان العرب ، مج 13 ، ص 415 ( منن ) . ( 7 ) وردت في الأصل : إليه ، والتصحيح من ب . ( 8 ) وردت في ب : القاصي ، وكذلك : الداني ، الحاضر ، البادي . ( 9 ) من قرى مرو الروذ . ياقوت - معجم البلدان ، ج 3 ، ص 126 .