مؤلف مجهول
15
نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب
وتناسلوا ، حتى كثروا . واقبل نوح في أصحابه حين نضب الماء عنهم ، وسارت السفينة حتّى اتت مكانا من الأرض فابتنى فيه قرية ، يقال لها ثمانان ، « 1 » وذلك بالنبطية ، وترجمته ثمانون ؛ أراد عدد من كان معه من المؤمنين ، وكانوا أربعين رجلا وأربعين امرأة . ويقال : ان ثمانين من ارض الجزيرة . فمكثوا بتلك القرية زمانا ، حتى كثروا ، فتفرّقوا في البلدان . ويقال إن نوحا عاش بعد خروجه من السفينة خمس سنين ، « 2 » ثم توفّي في الرابعة « 3 » فبكى عليه أهله أربعين سنة . ونزل أهل السفينة في المحّرم يوم عاشورا ، وكانوا في السفينة ستة اشهر ، ودخلوها لمستهل رجب . ولم يزل في الأرض بعد ما أهلك الله قوم نوح خمسة نفر ، يدفع الله بهم ، عن أهل الأرض . قال ولمّا هبط نوح من السفينة أوحى اللّه اليه يا نوح : انى قد خلقت خلقي لعبادتي ، وامرتهم بطاعتي ، فعصوني ، وعبدوا غيري ؛ فاستأثروا بذلك غضبي بمعصية العاصين ، وأهلكت بهلاك الخاطين جميع خلقي ، وانّي قد خلقتهم في يوم ، وايّ شئ مثلي ؛ الّا أعذب بالغرق بعد هذا ابدا جميع خلقي ، ولكني اجعل الدنيا دولا بين عبادي ، ثم اجزيهم بما عملوا يوم يجتمعون عندي وانى قد جعلت قوسي أمانا لعبادي وبلادي ، موثقا بيني وبين خلقي ، يأمنون به إلى يوم القيامة من الغرق ، ومن أوفى بعهده منّي . وكانت القوس فيها سهم ووتر أمانا . فلما فرغ من هذا القول إلى نوح ، نزع السهم والوتر من القوس ، وجعلها أمانا لعباده وبلاده من الغرق ؛ ففرح نوح بذلك . وان نوحا قال لولده ومن حضر معهم : ايّكم ينتدب لجسد أبيكم آدم فيحمله إلى الأرض المقدسة ، فيدفنه هناك ؛ فانّ الله « عزّ وجلّ » قد أوجب لمن تولّى دفن أبيكم ان يمدّ في حياته إلى يوم القيامة . قالوا يا نبىّ الله : الأرض وحشة ، ولا نهتدي إلى الطريق ، لكنا نمكث حتى يكثر الناس ، وتأنس الأرض ؛ فينطلق به بعضنا ، فيدفنه ، كما أمرت . فلما كثر الناس ؛ انتدب لجسد آدم الخضر ؛ وكان من بعض عقب ولد آدم ومن بعض ولد من آمن بنوح ونجامعه ، فانجز له ما وعد ، وهو حيّ إلى يوم القيامة . قال وان نوحا اغفى ذات يوم ، وثقل نوما ، فبدت عورته ، فدنا منه ابنه حام ، فوقف ينظر اليه ، ويضحك ، ولا يغطّيه . حتّى اقبل سام ؛ فلما رآه منكشفا ، دنا منه ، فغطّاه ، فاستيقظ نوح ؛ فقال لابنه حام : جئت اليّ فابصرتنى ، منكشفا ، فلم تر لنفسك ان تدنو منّى ، فتغطّينى ، حتى جاءني أخوك سام ، فغطّاني . غيّر الله لونك ، فلا يولد لك الا السّودان ،
--> ( 1 ) . النهاية : ثمانين ( 2 ) . تاريخ الأصمعي : خمسمائة سنة ( 3 ) . النّهاية : السّادسة