ابن الأثير

7

الكامل في التاريخ

ذكر فتح جبلة لمّا أقام صلاح الدين تحت حصن الأكراد ، أتاه قاضي جبلة ، وهو منصور بن نبيل ، يستدعيه إليها ليسلّمها إليه ، وكان هذا القاضي عند بيمند ، صاحب أنطاكية وجبلة ، مسموع القول مقبول الكلمة ، له الحرمة الوافرة ، والمنزلة العالية ، وهو يحكم على جميع المسلمين ، بجبلة ونواحيها ، على ما يتعلّق بالبيمند ، فحملته الغيرة للدين على قصد السلطان ، وتكفّل له بفتح جبلة ولاذقيّة والبلاد الشماليّة ، فسار صلاح الدين معه رابع جمادى الأولى ، فنزل بأنطرطوس سادسه ، فرأى الفرنج قد أخلوا المدينة ، واحتموا في برجين حصينين ، كلّ واحد منهما قلعة حصينة ومعقل منيع ، فخرّب المسلمون دورهم ومساكنهم وسور البلد ، ونهبوا ما وجدوه من ذخائرهم . وكان الداويّة بأحد البرجين ، فحصرهما صلاح الدين ، فنزل إليه من في أحد البرجين بأمان وسلّموه ، فأمّنهم ، وخرّب البرج وألقى حجارته في البحر ، وبقي الّذي فيه الداويّة لم يسلّموه ، وكان معهم مقدّمهم الّذي أسره صلاح الدين يوم المصافّ ، وكان قد أطلقه لمّا ملك البيت المقدّس ، فهو الّذي حفظ هذا الحصن ، فخرّب صلاح الدين ولاية أنطرطوس ، ورحل عنها وأتى مرقيّة ، وقد أخلاها أهلها ، ورحلوا عنها ، وساروا إلى المرقب ، وهو من حصونهم التي لا ترام ، ولا يحدّث أحد نفسه بملكه لعلّوه وامتناعه ، وهو للإسبتار ، والطريق تحته ، فيكون الحصن على يمين المجتاز إلى جبلة ، والبحر عن يساره ، والطريق مضيق لا يسلكه إلّا الواحد بعد الواحد . فاتّفق أنّ صاحب صقلّيّة من الفرنج قد سيّر نجدة إلى فرنج الساحل في ستّين قطعة من الشواني ، وكانوا بطرابلس ، فلمّا سمعوا بمسير صلاح الدين جاءوا ووقفوا في البحر ، تحت المرقب ، في شوانيهم ، ليمنعوا من يجتاز