ابن الأثير
66
الكامل في التاريخ
ذكر ملك الفرنج عكّا في يوم الجمعة ، سابع عشر جمادى الآخرة ، استولى الفرنج ، لعنهم اللَّه ، على مدينة عكّا ، وكان أوّل وهن دخل على من بالبلد أنّ الأمير سيف الدين عليّ بن أحمد الهكّاريّ ، المعروف بالمشطوب ، كان فيها ، ومعه عدّة من الأمراء كان هو أمثلهم وأكبرهم ، وخرج إلى ملك إفرنسيس وبذل له تسليم البلد بما فيه على أن يطلق المسلمين الذين فيه ، ويمكّنهم من اللحاق بسلطانهم ، فلم يجبه إلى ذلك ، فعاد عليّ بن أحمد إلى البلد ، فوهن من فيه ، وضعفت نفوسهم ، وتخاذلوا ، وأهمّتهم أنفسهم . ثمّ إنّ أميرين ممّن كان بعكّا ، لمّا رأوا ما فعلوا بالمشطوب ، وأنّ الفرنج لم يجيبوا إلى الأمان ، اتخذوا الليل جملا ، وركبوا في شيء صغير ، وخرجوا سرّا من أصحابهم ، ولحقوا بعسكر المسلمين ، وهم عزّ الدين أرسل الأسديّ ، وابن عزّ الدين جاولي ، ومعهم غيرهم ، فلمّا أصبح الناس ورأوا ذلك ازدادوا وهنا إلى وهنهم ، وضعفا إلى ضعفهم ، وأيقنوا بالعطب . ثمّ إنّ الفرنج أرسلوا إلى صلاح الدين في معنى تسليم البلد ، فأجابهم إلى ذلك ، والشرط بينهم أن يطلق من أسراهم بعدد من في البلد ليطلقوا هم من بعكّا ، وأن يسلّم إليهم صليب الصلبوت ، فلم يقنعوا بما بذل ، فأرسل إلى من بعكّا من المسلمين يأمرهم أن يخرجوا من عكّا يدا واحدة ويسيروا مع البحر ويحملوا على العدوّ حملة واحدة ، ويتركوا البلد بما فيه ، ووعدهم أنّه يتقدّم إلى تلك الجهة التي يخرجون منها بعساكره ، يقاتل الفرنج فيها ليلحقوا به ، فشرعوا في ذلك ، واشتغل كلّ منهم باستصحاب ما يملكه ، فما فرغوا من أشغالهم حتّى أسفر الصبح ، فبطل ما عزموا عليه لظهوره .