ابن الأثير
54
الكامل في التاريخ
أنّ صلاح الدين أخذه مغس كان يعتاده ، فنصب له خيمة صغيرة على تلّ مشرف على العسكر ، ونزل فيها ينظر إليهم ، فسار الفرنج ، شرقيّ نهر هناك ، حتّى وصلوا إلى رأس النهر ، فشاهدوا عساكر الإسلام وكثرتها ، فارتاعوا لذلك ، ولقيهم الجالشيّة ، وأمطروا عليهم من السهام ما كاد يستر الشمس ، فلمّا رأوا ذلك تحوّلوا إلى غربيّ النهر ، ولزمهم الجالشيّة يقاتلونهم ، والفرنج قد تجمّعوا ، ولزم بعضهم بعضا ، وكان غرض الجالشيّة أن تحمل الفرنج عليهم ، فيلقاهم المسلمون ويلتحم القتال ، فيكون الفصل ، ويستريح الناس ، وكان الفرنج قد ندموا على مفارقة خنادقهم ، فلزموا مكانهم ، وباتوا ليلتهم تلك . فلمّا كان الغد عادوا نحو عكّا ليعتصموا بخندقهم ، والجالشيّة في أكتافهم يقاتلونهم تارة بالسيوف وتارة بالرماح وتارة بالسهام ، وكلّما قتل من الفرنج قتيل أخذوه معهم لئلّا يعلم المسلمون ما أصابهم ، فلو لا ذلك الألم الّذي حدث بصلاح الدين لكانت هي الفيصل ، وإنّما للَّه أمر هو بالغه ، فلمّا بلغ الفرنج خندقهم ، ولم يكن لهم بعدها ظهور منه ، عاد المسلمون إلى خيامهم ، وقد قتلوا من الفرنج خلقا كثيرا . وفي الثالث والعشرين من شوّال أيضا كمن جماعة من المسلمين ، وتعرّض للفرنج جماعة أخرى ، فخرج إليهم أربع مائة فارس ، فقاتلهم المسلمون شيئا من قتال ، وتطاردوا لهم ، وتبعهم الفرنج حتّى جازوا الكمين ، فخرجوا عليهم فلم يفلت منهم أحد . واشتدّ الغلاء على الفرنج ، حتّى بلغت غرارة [ 1 ] الحنطة أكثر من مائة دينار صوريّ ، فصبروا على هذا ، وكان المسلمون يحملون إليهم الطعام من البلدان منهم الأمير أسامة ، مستحفظ بيروت ، كان يحمل الطعام وغيره ، ومنهم سيف الدين عليّ بن أحمد المعروف بالمشطوب ، كان يحمل من صيدا أيضا
--> [ 1 ] الغرارة .