ابن الأثير
51
الكامل في التاريخ
ذكر وقعة للمسلمين والفرنج على عكّا وفي هذه السنة ، في العشرين من جمادى الآخرة ، خرجت الفرنج فارسها وراجلها من وراء خنادقهم ، وتقدّموا إلى المسلمين ، وهم كثير لا يحصى عددهم ، وقصدوا نحو عسكر مصر ، ومقدّمهم الملك العادل أبو بكر بن أيّوب ، وكان المصريّون قد ركبوا واصطفّوا للقاء الفرنج ، فالتقوا ، واقتتلوا قتالا شديدا ، فانحاز المصريّون عنهم ، ودخل الفرنج خيامهم ، ونهبوا أموالهم ، فعطف المصريّون عليهم ، فقاتلوهم من وسط خيامهم فأخرجوهم عنها ، وتوجّهت طائفة من المصريّين نحو خنادق الفرنج ، فقطعوا المدد عن أصحابهم الذين خرجوا ، وكانوا متّصلين كالنمل ، فلمّا انقطعت أمدادهم ألقوا بأيديهم ، وأخذتهم السيوف من كلّ ناحية فلم ينج منهم إلّا الشريد ، وقتل منهم مقتلة عظيمة ، يزيد عدد القتلى على عشرة آلاف قتيل . وكانت عساكر الموصل قريبة من عسكر مصر ، وكان مقدّمهم علاء الدين خرمشاه بن عزّ الدين مسعود صاحب الموصل ، فحملوا أيضا على الفرنج ، وبالغوا في قتالهم ، ونالوا منهم نيلا كثيرا ، هذا جميعه ، ولم يباشر القتال أحد من الحلقة الخاصّ التي مع صلاح الدين ، ولا أحد من الميسرة ، وكان بها عماد الدين زنكي ، صاحب سنجار ، وعسكر إربل وغيرهم . ولمّا جرى على الفرنج هذه الحادثة خمدت جمرتهم ، ولانت عريكتهم ، وأشار المسلمون على صلاح الدين بمباكرتهم القتال ، ومناجزتهم وهم على هذه الحال من الهلع والجزع ، فاتّفق أنّه وصله من الغد كتاب من حلب يخبر فيه بموت ملك الألمان ، وما أصاب أصحابه من الموت والقتل والأسر ، وما صار أمرهم إليه من القلّة والذلّة ، واشغل المسلمون بهذه البشرى والفرح بها عن قتال من بإزائهم ، وظنّوا أنّ الفرنج إذا بلغهم هذه الخبر ازدادوا وهنا