ابن الأثير
504
الكامل في التاريخ
هذا مضمون الكتاب ، ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ، ولا حول ولا قوّة إلّا باللَّه العليّ العظيم ، وأمّا جلال الدين فإلى آخر سنة ثمان وعشرين [ وستّمائة ] لم يطهر له خبر ، وكذلك إلى سلخ صفر سنة تسع لم نقف له على حال ، واللَّه المستعان . ذكر عدّة حوادث في هذه السنة قلّت الأمطار بديار الجزيرة والشام ، ولا سيّما حلب وأعمالها فإنّها كانت قليلة بالمرّة ، وغلت الأسعار بالبلاد ، وكان أشدّها غلاء حلب ، إلا أنّه لم يكن بالشديد مثل ما تقدّم في السنين الماضية ، فأخرج أتابك شهاب الدين ، وهو والي الأمر بحلب ، والمرجع إلى أمره ونهيه ، وهو المدبّر لدولة سلطانها الملك العزيز ابن الملك الظاهر ، والمربّي له ، من المال والغلات كثيرا ، وتصدّق صدقات دارّة ، وساس البلاد سياسة حسنة بحيث لم يظهر للغلاء أثر ، فجزاه اللَّه خيرا . وفيها بنى أسد الدين شيركوه ، صاحب حمص والرحبة ، قلعة عند سلميّة ، وسمّاها سميمس ، وكان الملك الكامل لمّا خرج من مصر إلى الشام قد خدمه أسد الدين ، ونصح له ، وله أثر عظيم في طاعته ، والمقاتلة بين يديه ، فأقطعه مدينة سلميّة ، فبنى هذه القلعة بالقرب من سلميّة ، وهي على تلّ عال . وفيها قصد الفرنج الذين بالشام مدينة جبلة ، وهي بين جملة المدن المضافة إلى حلب ، ودخلوا إليها ، وأخذوا منها غنيمة وأسرى ، فسيّر أتابك شهاب الدين إليهم العساكر مع أمير كان أقطعها ، فقاتل الفرنج ، وقتل منهم كثيرا ، واستردّ الأسرى والغنيمة .