ابن الأثير
488
الكامل في التاريخ
عليها عدّة مجانيق ، ولم يزل يرميها بالحجارة حتّى خرّبت بعض سورها ، فأعاد أهل البلد عمارته ، ولم يزل مصابرهم وملازمهم إلى أواخر جمادى الأولى من سنة سبع وعشرين [ وستّمائة ] ، فزحف إليها زحفا متتابعا وملكها عنوة وقهرا يوم الأحد الثامن والعشرين من جمادى الأولى ، سلّمها إليه بعض الأمراء غدرا . فلمّا ملك البلد صعد من فيه من الأمراء إلى القلعة التي لها وامتنعوا بها ، وهو منازلهم ، ووضع السيف في أهل [ البلد ] ، وقتل من وجد به منهم ، وكانوا قد قلّوا ، فإنّ بعضهم فارقوه خوفا ، وبعضهم خرج منه من شدّة الجوع ، وبعضهم مات من القلّة وعدم القوت ، فإنّ الناس في خلاط أكلوا الغنم ، ثمّ البقر ، ثمّ الجواميس ، ثمّ الخيل ، ثمّ الحمير ، ثمّ البغال والكلاب والسنانير ، وسمعنا أنّهم كانوا يصطادون الفأر ويأكلونه ، وصبروا صبرا لم يلحقهم فيه أحد . ولم يملك من بلاد خلاط غيرها ، وما سواها من البلاد لم يكونوا ملكوه ، وخرّبوا « 1 » خلاط ، وأكثروا القتل فيها ، ومن سلم هرب في البلاد ، وسبوا الحريم ، واسترقّوا الأولاد ، وباعوا الجميع ، فتمزّقوا كلّ ممزّق ، وتفرّقوا في البلاد ، ونهبوا الأموال ، وجرى على أهلها ما لم يسمع بمثله أحد ، لا جرم لم يمهله اللَّه تعالى ، وجرى عليه من الهزيمة بين المسلمين والتتر ما نذكره إن شاء اللَّه تعالى . ذكر عدّة حوادث في أواخر هذه السنة قصد الفرنج حصن بارين بالشام ، ونهبوا بلاده ، وأعماله ، وأسروا وسبوا ، ومن جملة من ظفروا به طائفة كثيرة من التركمان ، فأخذوا الجميع ، ولم يسلم منهم إلّا النادر الشاذّ ، واللَّه أعلم .
--> ( 1 ) . وجزيرة : spU .