ابن الأثير
472
الكامل في التاريخ
وفاة والده الملك العادل ، عشر سنين وخمسة أشهر وثلاثة [ 1 ] وعشرين يوما . وكان عالما بعدّة علوم ، فاضلا فيها ، منها الفقه على مذهب أبي حنيفة ، فإنّه كان قد اشتغل به كثيرا ، وصار من المتميّزين فيه ، ومنها علم النحو ، فإنّه اشتغل به أيضا اشتغالا زائدا ، وصار فيه فاضلا ، وكذلك اللغة وغيرها ، وكان قد أمر أن يجمع له كتاب في اللغة جامع كبير ، فيه كتاب الصحاح للجوهريّ ، ويضاف إليه ما فات الصحاح من التهذيب للأرمويّ والجمهرة لابن دريد وغيرهما ، وكذلك أيضا أمر بأن يرتب مسند أحمد بن حنبل على الأبواب ، ويردّ كلّ حديث إلى الباب الّذي يقتضيه معناه ، مثاله : أن يجمع أحاديث الطهارة ، وكذلك يفعل في الصلاة وغيرها من الرقائق ، والتفسير ، والغزوات ، فيكون كتابا جامعا . وكان قد سمع المسند من بعض أصحاب ابن الحصين ، ونفق العلم في سوقه ، وقصده العلماء من الآفاق ، فأكرمهم ، وأجرى عليهم الجرايات الوافرة ، وقرّبهم ، و [ كان ] يجالسهم ، ويستفيد منهم ، ويفيدهم ، وكان يرجع إلى علم وصبر على سماع ما يكره ، لم يسمع أحد ممّن يصحبه منه كلمة تسوؤه . وكان حسن الاعتقاد يقول كثيرا : إنّ اعتقادي في الأصول ما سطّره أبو جعفر الطحاويّ ، ووصّى عند موته بأن يكفن في البياض ، ولا يجعل في أكفانه ثوب فيه ذهب ، وأن يدفن في لحد ، ولا يبنى عليه بناء بل يكون قبره في الصحراء تحت السماء ، ويقول في مرضه : لي عند اللَّه تعالى في أمر دمياط ما أرجو أن يرحمني به . ولمّا توفّي ولي بعده ابنه داود ويلقّب الملك الناصر ، وكان عمره قد قارب عشرين سنة .
--> [ 1 ] وثلاثا .