ابن الأثير
452
الكامل في التاريخ
وعظم أمرهم إلى حدّ أنّ ركن الدين بن قلج أرسلان ، صاحب قونية ، وأقصروا ، وملطية ، وسائر بلاد الروم التي للمسلمين ، جمع عساكره ، وحشد معها غيرها فاستكثر ، وقصد أرزن الروم ، وهي لأخيه طغرل شاه بن قلج أرسلان ، فأتاه الكرج وهزموه ، وفعلوا به وبعسكره كلّ عظيم ، وكان أهل دربند شروان معهم في الضنك والضيقة . وأمّا أرمينية ، فإنّ الكرج دخلوا مدينة أرجيش ، وملكوا قرس وغيرها ، وحصروا خلاط ، فلو لا أنّ اللَّه سبحانه منّ على المسلمين بأسر إيواني ، مقدّم عساكر الكرج ، لملكوها ، فاضطرّ أهلها إلى أن بنوا لهم بيعة في القلعة يضرب فيها الناقوس ، فرحلوا عنهم ، وقد تقدّم تفصيل هذه الحملة . ولم يزل هذا الثغر من أعظم الثغور ضررا على المجاورين له من الفرس ، قبل الإسلام ، وعلى المسلمين بعدهم ، من أوّل الإسلام إلى الآن ، ولم يقدم أحد عليهم هذا الإقدام ، ولا فعل بهم هذه الأفاعيل ، فإنّ الكرج ملكوا تفليس سنة خمس عشرة وخمسمائة ، والسلطان حينئذ محمود بن محمود بن ملك شاه السلجوقيّ ، وهو من أعظم السلاطين منزلة ، وأوسعهم مملكة ، وأكثرهم عساكر ، فلم يقدر على منعهم عنها ، هذا مع سعة بلاده ، فإنّه كان له الرّيّ وأعمالها ، وبلد الجبل ، وأصفهان ، وفارس ، وخوزستان ، والعراق ، وأذربيجان ، وأرّان ، وأرمينية ، وديار بكر ، والجزيرة ، والموصل ، والشام ، وغير ذلك ، وعمّه السلطان سنجر له خراسان وما وراء النهر ، فكان أكثر بلاد الإسلام بأيديهم ، ومع هذا فإنّه جمع عساكره سنة تسع عشرة وخمسمائة ، وسار إليهم بعد أن ملكوها ، فلم يقدر عليهم . ثمّ ملك بعده أخوه السلطان مسعود ، وملك الدكز بلد الجبل والرّيّ وأصفهان وأذربيجان وأرّان ، وأطاعه صاحب خلاط ، وصاحب فارس ،