ابن الأثير
440
الكامل في التاريخ
وبقي الناصر لدين اللَّه ثلاث سنين عاطلا عن الحركة بالكلّية ، وقد ذهبت إحدى عينيه والأخرى يبصر بها إبصارا ضعيفا ، وفي آخر الأمر أصابه دوسنطاريا عشرين يوما ومات . ووزر له عدّة وزراء ، وقد تقدّم ذكرهم ، ولم يطلق في طول مرضه شيئا كان أحدثه من الرسوم الجائرة ، وكان قبيح السيرة في رعيّته ، ظالما ، فخرّب في أيّامه العراق ، وتفرّق أهله في البلاد ، وأخذ أملاكهم وأموالهم ، وكان يفعل الشيء وضدّه ، فمن ذلك أنّه عمل دور الضيافة ببغداد ليفطر الناس عليها في رمضان ، فبقيت مدّة ، ثمّ قطع ذلك ، ثمّ عمل دور الضيافة للحجاج ، فبقيت مدّة ، ثمّ بطلّها ، وأطلق بعض المكوس التي جدّدها ببغداد خاصّة ، ثمّ أعادها . وجعل جلّ همّه في رمي البندق ، والطيور المناسيب ، وسراويلات الفتوّة ، فبطّل الفتوّة في البلاد جميعها ، إلّا من يلبس منه سراويل يدعى إليه ، ولبس كثير من الملوك منه سراويلات الفتوة . وكذلك أيضا منع الطيور المناسيب لغيره إلّا ما يؤخذ من طيوره ، ومنع الرمي بالبندق إلّا من ينتمي إليه ، فأجابه الناس ، بالعراق وغيره إلى ذلك ، إلّا إنسانا واحدا يقال له ابن السفت من بغداد ، فإنّه هرب من العراق ولحق بالشام ، فأرسل إليه يرغّبه في المال الجزيل ليرمي عنه ، وينسب في الرمي إليه ، فلم يفعل ، فبلغني أنّ بعض أصدقائه أنكر عليه الامتناع من أخذ المال ، فقال : يكفيني فخرا أنّه ليس في الدنيا أحد إلّا يرمي للخليفة ، إلّا أنا . فكان غرام الخليفة بهذه الأشياء من أعظم الأمور ، وكان سبب ما ينسبه العجم إليه صحيحا من أنّه هو الّذي أطمع التتر في البلاد ، وراسلهم في ذلك ، فهو الطامّة الكبرى التي يصغر عندها كلّ ذنب عظيم .