ابن الأثير

387

الكامل في التاريخ

ذكر ما فعله التتر بقفجاق والروس لمّا استولى التتر على أرض قفجاق ، وتفرّق قفجاق ، كما ذكرنا ، سار طائفة كثيرة منهم إلى بلاد الروس ، وهي بلاد كثيرة ، طويلة عريضة ، تجاورهم ، وأهلها يدينون بالنصرانيّة ، فلمّا وصلوا إليهم اجتمعوا كلّهم ، واتّفقت كلمتهم على قتال التتر إن قصدوهم ، وأقام التتر بأرض قفجاق مدّة ، ثمّ إنّهم ساروا سنة عشرين وستّمائة إلى بلاد الروس ، فسمع الروس وقفجاق خبرهم ، وكانوا مستعدّين لقتالهم ، فساروا « 1 » إلى طريق التتر ليلقوهم قبل أن يصلوا إلى بلادهم ليمنعوهم عنها ، فبلغ مسيرهم إلى التتر ، فعادوا على أعقابهم راجعين ، فطمع الروس وقفجاق فيهم ، وظنّوا أنّهم عادوا خوفا منهم وعجزا عن قتالهم ، فجدّوا في اتّباعهم ، ولم يزل التتر راجعين ، وأولئك يقفون أثرهم ، اثني عشر يوما . ثمّ إنّ التتر عطفوا على الروس « 2 » وقفجاق ، فلم يشعروا بهم إلّا وقد لقوهم على غرّة منهم ، لأنّهم كانوا قد أمنوا التتر ، واستشعروا القدرة عليهم ، فلم تتكامل عدّتهم للقتال إلّا وقد بلغ التتر منهم مبلغا عظيما ، فصبر الطائفتان صبرا لم يسمع بمثله . ودام القتال بينهم عدّة أيّام ، ثمّ إنّ التتر ظفروا واستظهروا ، فانهزم قفجاق والروس هزيمة عظيمة بعد أن أثخن فيهم التتر ، وكثر القتل في المنهزمين فلم يسلم منهم إلّا القليل ، ونهب جميع ما معهم ، ومن سلم وصل إلى البلاد على أقبح صورة لبعد الطريق والهزيمة ، وتبعهم التتر يقتلون وينهبون

--> ( 1 ) . فساروا في خلق لا يحصى يطلبون التتر ليقاتلوهم ويمنعوهم عن بلادهم ، فبلغ خبرهم إلى التتر . A ( 2 ) . التتر رجعوا نحو الروس . A