ابن الأثير
360
الكامل في التاريخ
كل من وقف لهم ، فهرب الباقون إلى الغياض ورؤوس الجبال ، وفارقوا بلادهم ، واستولى هؤلاء التتر عليها ، فعلوا هذا في أسرع زمان ، لم يلبثوا إلّا بمقدار مسيرهم لا غير . ومضى طائفة أخرى غير هذه الطائفة إلى غزنة وأعمالها ، وما يجاورها من بلاد الهند وسجستان وكرمان ، ففعلوا فيه مثل فعل هؤلاء وأشدّ . هذا ما لم يطرق الأسماع مثله ، فإنّ الإسكندر الّذي اتّفق المؤرّخون على أنّه ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة ، إنّما ملكها في نحو عشر سنين ، ولم يقتل أحدا ، إنّما رضي من الناس بالطاعة ، وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض وأحسنه ، وأكثره عمارة وأهلا ، وأعدل أهل الأرض أخلاقا وسيرة ، في نحو سنة ، ولم يبق أحد في البلاد التي لم يطرقوها إلّا وهو خائف يتوقّعهم ، ويترقّب وصولهم إليه . ثمّ إنّهم لا يحتاجون إلى ميرة ومدد يأتيهم ، فإنّهم معهم الأغنام ، والبقر ، والخليل ، وغير ذلك من الدوابّ ، يأكلون لحومها لا غير ، وأمّا دوابّهم التي يركبونها فإنّها تحفر الأرض بحوافرها ، وتأكل عروق النبات لا تعرف الشعير ، فهم إذا نزلوا منزلا لا يحتاجون إلى شيء من خارج . وأمّا ديانتهم ، فإنّهم يسجدون للشمس عند طلوعها ، ولا يحرّمون شيئا ، فإنّهم يأكلون جميع الدوابّ ، حتّى الكلاب ، والخنازير ، وغيرها ، ولا يعرفون نكاحا بل المرأة يأتيها غير واحد من الرجال ، فإذا جاء الولد لا يعرف أباه . ولقد بلي الإسلام والمسلمون في هذه المدّة بمصائب لم يبتل بها أحد من الأمم ، منها هؤلاء التتر ، قبّحهم اللَّه ، أقبلوا من المشرق ، ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كلّ من سمع بها ، وستراها مشروحة متّصلة ، إن شاء اللَّه تعالى . ومنها خروج الفرنج ، لعنهم اللَّه ، من المغرب إلى الشام ، وقصدهم ديار