ابن الأثير

348

الكامل في التاريخ

فلمّا عزم على ذلك أشار عليه ذوو الرأي من أصحابه ، وقالوا له : لا يتمّ لك هذا إلّا بأن يكون معك أحد من بيت أيّوب ليسهل على أهل البلاد وجندها الانقياد إليه ، وهذا الأفضل بن صلاح الدين هو في طاعتك ، والمصلحة أنّك تستصحبه معك ، وتقرّر بينكما قاعدة فيما تفتحانه من البلاد ، فمتى كان معك أطاعك الناس وسهل عليك ما تريد . فأحضر الأفضل من سميساط إليه ، وأكرمه ، وحمل إليه شيئا كثيرا من الخيل والخيام والسلاح وغير ذلك ، واستقرّت القواعد بينهما أن يكون ما يفتحه من حلب وأعمالها للأفضل ، وهو في طاعة كيكاوس ، والخطبة له في ذلك أجمع ، ثمّ يقصدون ديار الجزيرة ، فما يفتحونه ممّا بيد الملك الأشرف مثل : حرّان والرّها من البلاد الجزريّة ، تكون لكيكاوس . وجرت الأيمان على ذلك ، وجمعوا العساكر وساروا ، فملكوا قلعة رعبان ، فتسلّمها الأفضل ، فمال الناس حينئذ إليهما . ثمّ سارا إلى قلعة تلّ باشر ، وفيها صاحبها « 1 » ولد بدر الدين دلدرم الياروقيّ ، فحصروه ، وضيّقوا عليه ، وملكوها منه ، فأخذها كيكاوس لنفسه ، ولم يسلّمها إلى الأفضل ، فاستشعر الأفضل من ذلك ، وقال : هذا أوّل الغدر ، وخاف أنّه إن ملك حلب يفعل به هكذا ، فلا يحصل إلّا أن يكون قد قلع بيته لغيره ، ففترت نيّته ، وأعرض عمّا كان يفعله ، وكذلك أيضا أهل البلاد ، فكانوا يظنّون أنّ الأفضل يملكها ، فيسهل عليهم الأمر ، فلمّا رأوا ضدّ ذلك وقفوا . وأمّا شهاب الدين أتابك ولد الظاهر ، صاحب حلب ، فإنّه ملازم قلعة حلب لا ينزل منها ، ولا يفارقها البتّة ، وهذه كانت عادته مذ مات الظاهر ، خوفا من ثائر يثور به ، فلمّا حدث هذا الأمر خاف أن يحصروه ، وربّما سلّم

--> ( 1 ) . صاحبها فتح الدين . B