ابن الأثير

327

الكامل في التاريخ

وأمّا الملك الكامل فإنّه أقام بالقرب منهم في أطراف بلاده يحميها منهم . ولمّا سمع الفرنج في بلادهم بفتح دمياط على أصحابهم أقبلوا إليهم يهرعون من كلّ فجّ عميق ، وأصبحت دار هجرتهم ، وعاد الملك المعظّم صاحب دمشق إلى الشام فخرّب البيت المقدّس ، وإنّما فعل ذلك لأنّ الناس كافّة خافوا الفرنج ، وأشرف الإسلام وجميع أهله وبلاده على خطّة خسف في شرق الأرض وغربها : أقبل التتر من المشرق حتّى وصلوا إلى نواحي العراق وأذربيجان وأرّان وغيرها ، على ما نذكره إن شاء اللَّه تعالى ، وأقبل الفرنج من المغرب فملكوا مثل دمياط في الديار المصريّة ، مع عدم الحصون المانعة بها من الأعداء ، وأشرف سائر البلاد بمصر والشام على أن تملك ، وخافهم الناس كافّة ، وصاروا يتوقّعون البلاء صباحا ومساء . وأراد أهل مصر الجلاء عن بلادهم خوفا من العدوّ ، وَلاتَ حِينَ مَناصٍ « 1 » ، والعدوّ قد أحاط بهم من كلّ جانب ، ولو مكّنهم الكامل من ذلك لتركوا البلاد خاوية على عروشها ، وإنّما منعوا منه فثبتوا . وتابع الملك الكامل كتبه إلى أخويه المعظّم صاحب دمشق ، والملك الأشرف موسى بن العادل ، صاحب ديار الجزيرة « 2 » وأرمينية وغيرهما ، يستنجدهما ، ويحثّهما على الحضور بأنفسهما ، فإن لم يكن فيرسلان العساكر إليه ، فسار صاحب دمشق إلى « 3 » الأشرف بنفسه بحرّان فرآه مشغولا عن إنجادهم بما دهمه من اختلاف الكلمة عليه ، وزوال الطاعة عن كثير ممّن كان يطيعه ، ونحن نذكر ذلك سنة خمس عشرة وستّمائة إن شاء اللَّه عند وفاة الملك القاهر ، صاحب الموصل ، فليطلب من هناك ، فعذره ، وعاد عنه ، وبقي الأمر كذلك مع الفرنج .

--> ( 1 ) . 2 خ 38 . roc ( 2 ) . ديار مصر . B ( 3 ) . فسار المعظم إلى . A