ابن الأثير
15
الكامل في التاريخ
ورأيت أنا من رأس جبل عال يشرف على القلعة ، لكنّه لا يصل منه شيء إليها ، امرأة ترمي من القلعة عن المنجنيق ، وهي التي بطّلت منجنيق المسلمين ، فلمّا رأى صلاح الدين أنّ المنجنيق لا ينتفعون به ، عزم على الزحف ، ومكاثرة أهلها بجموعه ، فقسم عسكره ثلاثة أقسام : يزحف قسم ، فإذا تعبوا « 1 » وكلّوا عادوا وزحف القسم الثاني ، فإذا تعبوا وضجروا عادوا وزحف القسم الثالث ، ثمّ يدور الدور مرّة بعد أخرى حتّى يتعب الفرنج وينصبوا ، فإنّهم لم يكن عندهم من الكثرة ما يتقسّمون كذلك ، فإذا تعبوا وأعيوا سلّموا القلعة . فلمّا كان الغد ، وهو السابع والعشرون من جمادى الآخرة ، تقدّم أحد الأقسام ، وكان المقدّم عليهم عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي ، صاحب سنجار ، وزحفوا ، وخرج الفرنج من حصنهم ، فقاتلهم على فصيلهم ، ورماهم المسلمون بالسهام من وراء الجفتيات والجنويّات والطارقيات ، ومشوا إليهم حتّى قربوا إلى الجبل ، فلمّا قاربوا الفرنج عجزوا عن الدنوّ منهم لخشونة المرتقى ، وتسلّط الفرنج عليهم ، لعلوّ مكانهم ، بالنشاب والحجارة ، فإنّهم كانوا يلقون الحجارة الكبار فتتدحرج إلى أسفل الجبل ، فلا يقوم لها شيء . فلمّا تعب هذا القسم انحدروا ، وصعد القسم الثاني ، وكانوا جلوسا ينتظرونهم ، وهم حلقة صلاح الدين الخاصّ ، فقاتلوا قتالًا شديدا ، وكان الزمان حرّا شديدا ، فاشتدّ الكرب على الناس ، وصلاح الدين في سلاحه يطوف عليهم ويحرّضهم ، وكان تقي الدين ابن أخيه كذلك ، فقاتلوهم إلى قريب الظهر ثمّ تعبوا ، ورجعوا . فلمّا رآهم صلاح الدين قد عادوا تقدّم إليهم وبيده جماق ويردّهم ، وصاح في القسم الثالث ، وهم جلوس ينتظرون نوبتهم ، فوثبوا ملبّين ، وساعدوا إخوانهم ، وزحفوا معهم ، فجاء الفرنج ما لا قبل لهم به ، وكان أصحاب
--> ( 1 ) . فإذا نصبوا وضجروا . A