ابن الأثير
59
الكامل في التاريخ
عاقبة هذا التواني ، فقال : اخرج إلى الناس ففرقهم عنا واحضر غدا واختر من العسكر من تريد ، ففرّقت الناس وعرفتهم ما أمر به من تجهيز العساكر وحضرت من الغد إلى الديوان ، فجهّزوا لي طائفة عظيمة من الجيش ، فأرسلت إلى نصير الدين بالموصل أعرّفه ذلك ، وأخوّفه من العسكر إن طرقوا البلاد ، فإنّهم يملكونها ، فأعاد الجواب يقول : البلاد لا شكّ مأخوذة فلأن يأخذها المسلمون خير من أن يأخذها الكافرون . فشرعنا في التحميل للرحيل ، وإذ قد وصلني كتاب أتابك زنكي من الشام يخبر برحيل ملك الروم ويأمرني بأن لا أستصحب من العسكر أحدا ، فعرّفت السلطان ذلك فقال : العسكر قد تجهّز ، ولا بد من الغزاة إلى الشام ، فبعد الجهد وبذل الخدمة العظيمة له ولأصحابه أعاد العسكر . ولما عاد ملك الروم عن شيزر مدح الشعراء أتابك زنكي وأكثروا ، فمن ذلك ما قاله المسلم بن خضر بن قسيم الحموي من قصيدة أولها : بعزمك أيها الملك العظيم * تذل لك الصّعاب وتستقيم ومنها : ألم تر أن كلب الروم لما * تبيّن أنه الملك الرحيم فجاء يطبّق الفلوات خيلا * كأن الجحفل الليل البهيم وقد نزل الزمان على رضاه * ودان لخطبة الخطب العظيم فحين رميته بك في خميس * تيقن أن ذلك لا يدوم وأبصر في المفاضة منك جيشا * فأحرب لا يسير ولا يقيم كأنك في العجاج شهاب نور * توقد وهو شيطان رجيم أراد بقاء مهجته فولّى * وليس سوى الحمام له حميم