ابن الأثير

554

الكامل في التاريخ

بحيث يتصل القتال على أهل البلد ، على أنّ الموضع الّذي يقاتلون فيه قريب المسافة ، يكفيه الجماعة اليسيرة من أهل البلد لحفظه ، وعليه الخنادق التي قد وصلت من البحر إلى البحر ، فلا يكاد الطير يطير عليها ، فإنّ المدينة كالكفّ في البحر ، والساعد متّصل بالبرّ والبحر من جانبي الساعد ، والقتال إنّما هو في الساعد ، فزحف المسلمون مرّة « 1 » بالمجانيق ، والعرّادات ، والجروخ ، والدبّابات ، وكان أهل صلاح الدين يتناوبون القتال مثل : ولده الأفضل ، وولده الظاهر غازي ، وأخيه العادل بن أيّوب ، وابن أخيه تقي الدين ، وكذلك سائر الأمراء . وكان للفرنج شوان وحرّاقات يركبون فيها في البحر ، ويقفون من جانبي الموضع الّذي يقاتل المسلمون منه أهل البلد ، فيرمون المسلمين من جانبهم بالجروخ ، ويقاتلونهم . وكان ذلك يعظم عليهم ، لأنّ أهل البلد يقاتلونهم من بين أيديهم ، وأصحاب الشواني يقاتلونهم من جانبيهم ، فكانت سهامهم تنفذ من أحد الجانبين إلى الجانب الآخر لضيق الموضع ، فكثرت الجراحات في المسلمين والقتل ، ولم يتمكّنوا من الدنوّ إلى البلد ، فأرسل صلاح الدين إلى الشواني التي جاءته من مصر ، وهي عشر قطع ، وكانت بعكّا ، فأحضرها برجالها ومقاتلتها وعدّتها ، وكانت في البحر تمنع شواني أهل صور من الخروج إلى قتال المسلمين ، فتمكّن المسلمون حينئذ من القرب من البلد ، ومن قتاله ، فقاتلوه برّا وبحرا وضايقوه حتى كادوا يظفرون ، فجاءت الأقدار بما لم يكن في الحساب ، وذلك أنّ خمس قطع من شواني المسلمين باتت ، في بعض تلك اللّيالي ، مقابل ميناء صور ليمنعوا من الخروج منه والدخول إليه ، فباتوا ليلتهم يحرسون ، وكان مقدّمهم عبد السلام المغربي الموصوف بالحذق في صناعته وشجاعته ، فلمّا كان وقت السّحر أمنوا فناموا ، فما شعروا إلّا بشواني الفرنج قد نازلتهم

--> ( 1 ) . المسلمون إليها غير مرة . B