ابن الأثير

547

الكامل في التاريخ

من حطّين ، وقد جمعوا وحشدوا ، واجتمع أهل تلك النواحي ، عسقلان وغيرها ، فاجتمع به كثير من الخلق ، كلّهم يرى الموت أيسر عليه من أن يملك المسلمون البيت المقدّس ويأخذوه منهم ، ويرى أنّ بذل نفسه وماله وأولاده بعض ما يجب عليه من حفظه ، وحصنوه تلك الأيّام بما وجدوا إليه سبيلا ، وصعدوا على سوره بحدّهم وحديدهم ، مجمعين على حفظه والذّبّ عنه بجهدهم وطاقتهم ، مظهرين العزم على المناضلة دونه بحسب استطاعتهم ، ونصبوا المجانيق على أسواره ليمنعوا من يريد الدنوّ منه والنزول عليه . ولمّا قرب صلاح الدين منه تقدّم أمير في جماعة من أصحابه ، غير محتاط ولا حذر ، فلقيه جمع من الفرنج قد خرجوا من القدس ليكونوا يزكا ، فقاتلوه وقاتلهم ، فقتلوه وقتلوا جماعة ممّن معه ، فأهمّ المسلمين قتله ، وفجعوا بفقده ، وساروا حتى نزلوا على القدس منتصف رجب ، فلمّا نزلوا عليه رأى المسلمون على سوره من الرجال ما هالهم [ 1 ] ، وسمعوا لأهله من الجلبة [ 2 ] والضجيج من وسط المدينة ما استدلّوا به على كثرة الجمع ، وبقي صلاح الدين خمسة أيّام يطوف حول المدينة لينظر من أين يقاتله ، لأنّه في غاية الحصانة والامتناع ، فلم يجد عليه موضع قتال إلّا من جهة الشمال ، نحو باب عمودا ، وكنيسة صهيون ، فانتقل إلى هذه الناحية في العشرين من رجب ونزلها ، ونصب تلك اللّيلة المجانيق ، فأصبح من الغد وقد فرغ من نصبها ، ورمى بها . ونصب الفرنج على سور البلد مجانيق ورموا بها ، وقوتلوا أشدّ قتال رآه أحد من النّاس ، كلّ واحد من الفريقين يرى ذلك دينا ، وحتما واجبا ، فلا يحتاج فيه إلى باعث سلطانيّ بل كانوا يمنعون ولا يمتنعون ويزجرون ولا ينزجرون . وكان خيّالة الفرنج كلّ يوم يخرجون إلى ظاهر البلد يقاتلون ويبارزون ،

--> [ 1 ] - أهالهم . [ 2 ] - الغلبة .