ابن الأثير

544

الكامل في التاريخ

له المركيش « 1 » ، لعنه اللَّه ، خرج في البحر بمال كثير للزيارة والتجارة ، ولم يشعر بما كان من الفرنج فأرسى بعكّا ، وقد رابه ما رأى من ترك عوائد الفرنج عند وصول المراكب من الفرنج وضرب الأجراس وغير ذلك ، وما رأى أيضا من زي أهل البلد ، فوقف ولم يدر ما الخبر ، وكانت الريح قد ركدت ، فأرسل الملك الأفضل إليه بعض أصحابه في سفينة يبصر من هو وما يريد ، فأتاه القاصد فسأله المركيش « 2 » عن الأخبار لما أنكره فأخبره بكسرة الفرنج وأخذ عكّا وغيرها ، وأعلمه أنّ صور بيد الفرنج وعسقلان وغيرها ، وحكى الأمر له على وجهه فلم يمكنه الحركة لعدم الريح ، فردّ الرسول يطلب الأمان ليدخل البلد بما معه من متاع ومال ، فأجيب إلى ذلك فردّده مرارا كلّ مرّة يطلب شيئا لم يطلبه في المرّة الأولى ، وهو يفعل ذلك انتظارا لهبوب الهواء ليسير به ، فبينما هو في مراجعاته إذ هبّت الريح فسار نحو صور ، وسيّر الملك الأفضل الشواني في طلبه فلم يدركوه ، فأتى صور وقد اجتمع بها من الفرنج خلق كثير لأنّ صلاح الدين كان كلّما فتح مدينة من عكّا وبيروت وغيرهما ممّا ذكرنا أعطى أهلها الأمان ، فساروا كلّهم إلى صور وكثر الجمع بها إلّا أنّهم ليس لهم رأس يجمعهم ، ولا مقدّم يقاتل بهم ، وليسوا أهل حرب ، وهم عازمون على مراسلة صلاح الدين وطلب الأمان وتسليم البلد إليه ، فأتاهم المركيش « 3 » وهم على ذلك العزم ، فردّهم عنه وقوّى نفوسهم وضمن لهم حفظ المدينة وبذل ما معه من الأموال وشرط عليهم أن تكون المدينة وأعمالها له دون غيره ، فأجابوه إلى ذلك ، فأخذ أيمانهم عليه وأقام عندهم ودبّر أحوالهم ، وكان من شياطين الإنس حسن التدبير والحفظ ، وله شجاعة عظيمة ، وشرع في تحصينها فجدّد حفر خنادقها وعمل أسوارها ، وزاد في حصانتها واتّفق من بها على الحفظ والقتال دونها .

--> ( 1 - 2 - 3 ) . المركيس . P . C