ابن الأثير
535
الكامل في التاريخ
فقتلوا من خيول الفرنج كثيرا . هذا القتال بينهم ، والفرنج قد جمعوا نفوسهم براجلهم وهم يقاتلون سائرين [ 1 ] نحو طبريّة ، لعلّهم يردون الماء . فلمّا علم صلاح الدين مقصدهم صدّهم عن مرادهم ، ووقف بالعسكر في وجوههم ، وطاف بنفسه على المسلمين يحرّضهم ، ويأمرهم بما يصلحهم ، وينهاهم عمّا يضرّهم ، والنّاس يأتمرون لقوله ، ويقفون عند نهيه ، فحمل مملوك من مماليكه الصبيان حملة منكرة على صف الفرنج ، فقاتل قتالا عجب منه النّاس . ثمّ تكاثر الفرنج عليه فقتلوه ، فحين قتل حمل المسلمون حملة منكرة فضعضعوا الكفّار وقتلوا [ 2 ] منهم كثيرا . فلمّا رأى القمص شدّة الأمر علم أنّهم لا طاقة لهم بالمسلمين ، فاتّفق هو وجماعته وحملوا على من يليهم ، وكان المقدّم من المسلمين ، في تلك الناحية ، تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين ، فلمّا رأى حملة الفرنج حملة مكروب ، علم أنّه لا سبيل إلى الوقوف في وجوههم ، فأمر أصحابه أن يفتحوا لهم طريقا يخرجون منه ، ففعلوا ، فخرج القمّص وأصحابه ثمّ التأم الصف . وكان بعض المتطوّعة من المسلمين قد ألقى في تلك الأرض نارا ، وكان الحشيش كثيرا فاحترق ، وكانت الريح على الفرنج ، فحملت حرّ النّار والدخان إليهم ، فاجتمع عليهم العطش وحرّ الزّمان وحرّ النّار ، والدخان ، وحرّ القتال ، فلمّا انهزم القمص سقط في أيديهم وكادوا يستسلمون ، ثمّ علموا أنّهم لا ينجيهم من الموت إلّا الإقدام عليه ، فحملوا حملات متداركة كادوا يزيلون [ بها ] المسلمين ، على كثرتهم ، عن مواقفهم لولا لطف اللَّه بهم ، إلّا أن الفرنج لا يحملون حملة فيرجعون إلّا وقد قتل منهم ، فوهنوا لذلك وهنا عظيما ، فأحاط بهم المسلمون إحاطة الدائرة بقطرها ، فارتفع من بقي من الفرنج إلى تلّ بناحية حطّين ، وأرادوا
--> [ 1 ] سائرون . [ 2 ] وقتل .