ابن الأثير

532

الكامل في التاريخ

أرسلوا إلى القمص البطرك والقسوس والرهبان ، وكثيرا من الفرسان ، فأنكروا عليه انتماءه إلى صلاح الدين ، وقالوا له : لا شكّ أنّك أسلمت ، وإلّا لم تصبر على ما فعل المسلمون أمس بالفرنج ، يقتّلون الداويّة والاسبتاريّة ، ويأسرونهم ، ويجتازون بهم عليك ، وأنت لا تنكر ذلك ولا تمنع عنه ، ووافقهم على ذلك من عنده من عسكر طبريّة وطرابلس ، وتهدّده البطرك أنّه يحرمه ، ويفسخ نكاح زوجته ، إلى غير ذلك من التهديد ، فلمّا رأى القمص شدّة الأمر عليه خاف ، فاعتذر وتنصّل وتاب ، فقبلوا عذره ، وغفروا زلّته ، وطلبوا منه الموافقة على المسلمين ، والمؤازرة على حفظ بلادهم ، فأجابهم إلى المصالحة والانضمام إليهم ، والاجتماع معهم ، وسار معهم إلى ملك الفرنج ، واجتمعت كلمتهم بعد فرقتهم ، ولم تغن عنهم من اللَّه شيئا ، وجمعوا فارسهم وراجلهم ، ثمّ ساروا من عكّا إلى صفوريّة ، وهم يقدّمون رجلا ويؤخّرون أخرى ، قد ملئت قلوبهم رعبا . ذكر فتح صلاح الدين طبريّة لمّا اجتمع الفرنج وساروا إلى صفوريّة ، جمع صلاح الدين أمراءه ووزراءه واستشارهم ، فأشار أكثرهم عليه بترك اللّقاء ، وأن يضعف الفرنج بشنّ الغارات ، وإخراب الولايات مرّة بعد مرّة ، فقال له بعض أمرائه : الرأي عندي أنّنا نجوس بلادهم ، وننهب ، ونخرّب ، ونحرق ، ونسبي ، فإن وقف أحد من عسكر الفرنج بين أيدينا لقيناه ، فإنّ النّاس بالمشرق يلعنوننا ويقولون ترك قتال الكفّار ، وأقبل يريد قتال المسلمين ، والرأي أن نفعل فعلا نعذر فيه ونكفّ الألسنة عنّا ، فقال صلاح الدين : الرأي عندي أن نلقى بجمع