ابن الأثير

527

الكامل في التاريخ

ثمّ إنّ هذه الملكة هويت رجلا من الفرنج الذين قدموا الشام من الغرب اسمه كي ، فتزوّجته ، ونقلت الملك إليه ، وجعلت التّاج على رأسه ، وأحضرت البطرك والقسوس والرهبان ، والإسبتاريّة والداويّة والبارونيّة ، وأعلمتهم أنّها قد ردّت الملك إليه ، وأشهدتهم عليها بذلك ، فأطاعوه ، ودانوا له ، فعظم ذلك على القمص ، وسقط في يديه ، وطولب بحساب ما جبى من الأموال مدّة ولاية ذلك الصبيّ ، فادّعى أنّه أنفقه عليه ، وزاده ذلك نفورا ، وجاهر بالمشاقة والمباينة ، وراسل صلاح الدين ، وانتمى إليه ، واعتضد به ، وطلب منه المساعدة على بلوغ غرضه من الفرنج ، ففرح صلاح الدين والمسلمون بذلك ، ووعده النصرة ، والسعي له في كلّ ما يريد ، وضمن له أنّه يجعله ملكا مستقلّا للفرنج قاطبة ، وكان عنده جماعة من فرسان القمص أسرى فأطلقهم ، فحلّ ذلك عنده أعظم محلّ ، وأظهر طاعة صلاح الدين ، ووافقه على ما فعل جماعة من الفرنج ، فاختلفت كلمتهم وتفرّق شملهم ، وكان ذلك من أعظم الأسباب الموجبة لفتح بلادهم ، واستنقاذ البيت المقدّس منهم ، على ما نذكره إن شاء اللَّه . وسيّر صلاح الدين السرايا من ناحية طبريّة ، فشنّت الغارات على بلاد الفرنج ، وخرجت سالمة غانمة ، فوهن الفرنج بذلك ، وضعفوا وتجرّأ المسلمون عليهم وطمعوا فيهم . ذكر غدر البرنس أرناط كان البرنس أرناط ، صاحب الكرك ، من أعظم الفرنج وأخبثهم ، وأشدّهم عداوة للمسلمين ، وأعظمهم ضررا عليهم ، فلمّا رأى صلاح الدين ذلك منه قصده بالحصر مرّة بعد مرّة ، وبالغارة على بلاده كرّة بعد أخرى ،