ابن الأثير
512
الكامل في التاريخ
عزّ الدين والدته إلى صلاح الدين ومعها ابنة عمّه نور الدين محمود بن زنكي وغيرهما من النساء ، وجماعة من أعيان الدولة ، يطلبون منه المصالحة ، وبذلوا له الموافقة ، والإنجاد بالعساكر ليعود عنهم ، وإنّما أرسلهنّ لأنّه وكلّ من عنده ظنّوا أنّهنّ إذا طلبن منه الشام أجابهنّ إلى ذلك ، لا سيّما ومعهنّ ابنة مخدومه ووليّ نعمته نور الدين ، فلمّا وصلن إليه أنزلهنّ ، وأحضر أصحابه واستشارهم فيما يفعله ويقوله ، فأشار أكثرهم بإجابتهنّ إلى ما طلبن منه ، وقال له الفقيه عيسى وعليّ بن أحمد المشطوب ، وهما من بلد الهكّاريّة من أعمال الموصل : مثل الموصل لا يترك لامرأة ، فإنّ عزّ الدين ما أرسلهنّ إلّا وقد عجز عن حفظ البلد . ووافق ذلك هواه ، فأعادهنّ خائبات ، واعتذر بأعذار غير مقبولة ، ولم يكن إرسالهنّ عن ضعف ووهن ، إنّما أرسلهنّ طلبا لدفع الشرّ بالتي هي أحسن . فلمّا عدن رحل صلاح الدين إلى الموصل وهو كالمتيقّن أنّه يملك البلد ، وكان الأمر بخلاف ذلك ، فلمّا قارب البلد نزل على فرسخ منه ، وامتدّ عسكره في تلك الصحراء بنواحي الحلّة المراقيّة ، وكان يجري بين العسكرين مناوشات بظاهر الباب العمادي ، وكنت إذ ذاك بالموصل ، وبذل العامّة نفوسهم غيظا وحنقا لردّه النساء ، فرأى صلاح الدين ما لم يكن يحسبه ، فندم على ردّه النساء ندامة الكسعي ، حيث فاته حسن الذّكر وملك البلد ، وعاد على الذين أشاروا بردّهنّ باللوم والتوبيخ . وجاءته كتب القاضي الفاضل وغيره ممّن ليس له هوى في الموصل يقبّحون فعله وينكرونه ، وأتاه وهو على الموصل زين الدين يوسف بن زين الدين صاحب إربل ، فأنزله ومعه أخوه مظفّر الدين كوكبري وغيرهما من الأمراء بالجانب الشرقي من الموصل ، وسيّر من المنزلة عليّ بن أحمد المشطوب الهكاريّ إلى قلعة الجديدة من بلد الهكّاريّة ، فحصرها واجتمع