ابن الأثير

505

الكامل في التاريخ

ذكر وفاة يوسف بن عبد المؤمن وولاية ابنه يعقوب في هذه السنة سار أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن إلى بلاد الأندلس ، وجاز البحر إليها في جمع عظيم من عساكر المغرب ، فإنّه جمع وحشد الفارس والراجل ، فلمّا عبر الخليج قصد غربيّ البلاد ، فحصر مدينة شنترين ، وهي للفرنج ، شهرا ، فأصابه بها مرض فمات منه في ربيع الأوّل ، وحمل في تابوت إلى مدينة إشبيلية من الأندلس . وكانت مدّة ملكه اثنتين وعشرين سنة وشهرا ، ومات عن غير وصيّة بالملك لأحد من أولاده ، فاتّفق رأي قوّاد الموحّدين وأولاد عبد المؤمن [ على تمليك ولده أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ] « 1 » فملّكوه من الوقت الّذي مات فيه أبوه لئلّا يكونوا بغير ملك يجمع كلمتهم لقربهم من العدوّ ، فقام في ذلك أحسن قيام ، وأقام راية الجهاد ، وأحسن السيرة في النّاس . وكان ديّنا مقيما للحدود في الخاصّ والعام ، فاستقامت له الدولة وانقادت إليه بأسرها مع سعة أقطارها ، ورتّب ثغور الأندلس وشحنها بالرجال ، ورتّب المقاتلة في سائر بلادها ، وأصلح أحوالها وعاد إلى مرّاكش . وكان أبوه يوسف حسن السيرة ، وكان طريقه ألين من طريق أبيه مع النّاس ، يحبّ العلماء ويقرّبهم ويشاورهم ، وهم أهل خدمته وخاصّته . وأحبّه النّاس ومالوا إليه ، وأطاعه من البلاد ما امتنع على أبيه ، وسلك في جباية الأموال ما كان أبوه يأخذه ، ولم يتعدّه إلى غيره ، واستقامت له البلاد بحسن فعله مع أهلها ، ولم يزل كذلك إلى أن توفّي ، رحمه اللَّه تعالى .

--> ( 1 ) . P . C