ابن الأثير
443
الكامل في التاريخ
وكان أشدّ النّاس قتالا ذلك اليوم الفقيه عيسى ، رحمه اللَّه ، وتمّت الهزيمة على المسلمين ، وحمل بعض الفرنج على صلاح الدين فقاربه حتى كاد يصل إليه ، فقتل الفرنجيّ بين يديه ، وتكاثر الفرنج عليه ، فمضى منهزما ، يسير قليلا ويقف ليلحقه العسكر إلى أن دخل اللّيل ، فسلك البريّة إلى أن مضى في نفر يسير إلى مصر ، ولقوا في طريقهم مشقّة شديدة وقلّ عليهم القوت والماء ، وهلك كثير من دوابّ العسكر جوعا وعطشا وسرعة سير . وأمّا العسكر الّذي كانوا دخلوا بلاد الفرنج في الغارة ، فإنّ أكثرهم ذهب ما بين قتيل وأسير . وكان من جملة من أسر الفقيه عيسى الهكّاريّ ، وهو من أعيان الأسديّة ، وكان جمع العلم والدين والشجاعة ، وأسر أيضا أخوه الظهير ، وكانا قد سارا منهزمين فضلّا الطريق ، فأخذا ومعهما جماعة من أصحابهما ، وبقوا سنين في الأسر ، فافتدى صلاح الدين الفقيه عيسى بستّين ألف دينار وجماعة كثيرة من الأسرى . ووصل صلاح الدين إلى القاهرة نصف جمادى الآخرة ، ورأيت كتابا كتبه صلاح الدين بخطّ يده إلى أخيه شمس الدولة توران شاه وهو بدمشق ، يذكر الوقعة ، وفي أوّله : ذكرتك والخطيّ يخطر بيننا * وقد نهلت منّا المثقّفة السّمر ويقول فيه : لقد أشرفنا على الهلاك غير مرّة ، وما أنجانا اللَّه سبحانه منه إلّا لأمر يريده سبحانه : وما ثبتت إلّا وفي نفسها أمر