ابن الأثير
419
الكامل في التاريخ
حيث كان الفرنج بالقرب منهم ، فكانوا يخرجون ويقاتلون صلاح الدين عند جبل حوشن ، فلا يقدر على القرب من البلد . وأرسل سعد الدين كمشتكين إلى سنان مقدّم الإسماعيليّة ، وبذل له أموالا كثيرة ليقتلوا صلاح الدين ، فأرسلوا جماعة منهم إلى عسكره ، فلمّا وصلوا رآهم أمير اسمه خمارتكين ، صاحب قلعة أبي قبيس ، فعرفهم لأنّه جارهم في البلاد ، كثير الاجتماع بهم والقتال لهم ، فلمّا رآهم قال لهم : ما الّذي أقدمكم وفي أيّ شيء جئتم ؟ فجرحوه جراحات مثخنة ، وحمل أحدهم على صلاح الدين ليقتله ، فقتل دونه ، وقاتل الباقون من الإسماعيليّة ، فقتلوا جماعة ثمّ قتلوا . وبقي صلاح الدين محاصرا لحلب إلى سلخ جمادى الآخرة ، ورحل عنها مستهلّ رجب ، وسبب رحيله أنّ القمّص ريمند الصّنجيلي ، صاحب طرابلس ، كان قد أسره نور الدين على حارم سنة تسع وخمسين وخمسمائة ، وبقي في الحبس إلى هذه السنة ، فأطلقه سعد الدين بمائة ألف وخمسين ألف دينار صوريّة وألف أسير ، فلمّا وصل إلى بلده اجتمع الفرنج عليه يهنّئونه بالسلامة ، وكان عظيما فيهم من أعيان شياطينهم ، فاتّفق أنّ مرّي ملك الفرنج ، لعنه اللَّه ، مات أوّل هذه السنة ، وكان أعظم ملوكهم شجاعة وأجودهم رأيا ومكرا ومكيدة ، فلمّا توفّي خلّف ابنا مجذوما عاجزا عن تدبير الملك ، فملّكه الفرنج صورة لا معنى تحتها ، وتولّى القمّص ريمند تدبير الملك ، وإليه الحلّ والعقد ، عن أمره يصدرون ، فأرسل إليه من بحلب يطلبون منه أن يقصد بعض البلاد التي بيد صلاح الدين ليرحل عنهم ، فسار إلى حمص ونازلها سابع رجب ، فلمّا تجهّز لقصدها سمع صلاح الدين الخبر فرحل عن حلب ، فوصل إلى حماة ثامن رجب ، بعد نزول الفرنج على حمص بيوم ، ثمّ رحل إلى الرّستن ، فلمّا سمع الفرنج بقربة رحلوا عن حمص ، ووصل صلاح الدين إليها ، فحصر