ابن الأثير

416

الكامل في التاريخ

عليه ليعبر الفرات ويسير إلى دمشق فيمنع عنها ويقصده ابن عمّه وعسكر حلب من وراء ظهره فيهلك . أشار عليه بهذا زلفندار عزّ الدين ، والجبان يقدّر البعيد من الشرّ قريبا ، ويرى الجبن حزما ، كما قال : يرى الجبناء أنّ الجبن حزم * وتلك طبيعة الرّجل الجبان فلمّا أشار عليه بهذا الرأي زلفندار قبله وامتنع من قصد دمشق ، وراسل سعد الدين والملك الصالح وصالحهما على ما أخذه من البلاد ، فلمّا امتنع عن العبور إلى دمشق عظم خوفهم ، وقالوا : حيث صالحهم سيف الدين لم يبق لهم مانع عن المسير إلينا ، فكاتبوا حينئذ صلاح الدين يوسف بن أيّوب ، صاحب مصر ، واستدعوه ليملّكوه عليهم ، وكان كبيرهم في ذلك شمس الدين ابن المقدّم ، ومن أشبه أباه فما ظلم ، وقد ذكرنا مخامرة أبيه في تسليم سنجار سنة أربع وأربعين وخمسمائة . فلمّا وصلت الرسل إلى صلاح الدين بذلك لم يلبث ، وسار جريدة في سبع مائة فارس والفرنج في طريقه ، فلم يبال بهم ، فلمّا وطئ أرض الشام قصد بصرى ، وكان [ بها ] حينئذ صاحبها وهو من جملة من كاتبه ، فخرج ولقيه ، فلمّا رأى قلّة من معه خاف على نفسه ، واجتمع بالقاضي الفاضل وقال : ما أرى معكم عسكرا ، وهذا بلد عظيم لا يقصد بمثل هذا العسكر ، ولو منعكم من به ساعة من النهار أخذكم أهل السواد ، فإن كان معكم مال سهل الأمر . فقال : معنا مال كثير يكون خمسين ألف دينار ، فضرب صاحب بصرى على رأسه وقال : هلكتم وأهلكتمونا ، وجميع ما كان معهم عشرة آلاف دينار . ثمّ سار صلاح الدين إلى دمشق فخرج كلّ من بها من العسكر إليه ، فلقوه وخدموه ، ودخل البلد ، ونزل في دار والده المعروفة بدار العقيقي ، وكانت