ابن الأثير
352
الكامل في التاريخ
إليها خلفني المصريّون في أهلها وأموالها بالشرّ ، وخرجوا عن طاعتي ، وساروا في أثري ، والفرنج من أمامي ، فلا يبقى لنا باقية . فسيّر نور الدين العساكر إليه أرسالا يتلو بعضها بعضا ، ثمّ سار هو بنفسه إلى بلاد الفرنج الشاميّة ، فنهبها ، وأغار عليها واستباحها ، فوصلت الغارات إلى ما لم تكن تبلغه قبل لخلوّ البلاد من مانع . فلمّا رأى الفرنج تتابع العساكر إلى مصر ، ودخول نور الدين إلى بلادهم ونهبها وتخريبها ، رجعوا خائبين لم يظفروا بشيء ، ووجدوا بلادهم خرابا ، وأهلها بين قتيل وأسير ، فكانوا موضع المثل : خرجت النعامة تطلب قرنين رجعت بلا أذنين . وكانت مدّة مقامهم على دمياط خمسين يوما أخرج فيها صلاح الدين أموالا لا تحصى . حكي لي أنّه قال : ما رأيت أكرم من العاضد ، أرسل إليّ مدة لمقام الفرنج على دمياط ألف ألف دينار مصريّة سوى الثياب وغيرها . ذكر حصر نور الدين الكرك في هذه السنة ، في جمادى الآخرة ، سار نور الدين إلى بلد الفرنج ، فحصر الكرك ، وهو من أمنع المعاقل على طرف البرّ . وكان سبب ذلك أنّ صلاح الدين أرسل إلى نور الدين يطلب أن يرسل إليه والده نجم الدين أيّوب ، فجهّزه نور الدين ، وسيّره ، وسيّر معه عسكرا ، واجتمع معه من التجّار خلق كثير ، وانضاف إليهم من كان له مع صلاح الدين أنس وصحبة ، فخاف نور الدين عليهم من الفرنج ، فسار في عساكره إلى الكرك ، فحصره وضيّق عليه ونصب عليه المجانيق ، فأتاه الخبر أن