ابن الأثير
344
الكامل في التاريخ
فلمّا خلع عليه لقب الملك النّاصر لم يطعه أحد من أولئك الأمراء الذين يريدون الأمر لأنفسهم ، ولا خدموه . وكان الفقيه عيسى الهكّاريّ معه ، فسعى مع المشطوب حتى أماله إليه ، وقال له : إنّ هذا الأمر لا يصل إليك مع عين الدولة والحارميّ وغيرهما ، ثمّ قصد الحارميّ وقال : هذا صلاح الدين هو ابن أختك وعزّه وملكه لك ، وقد استقام له الأمر فلا تكن أوّل من يسعى في إخراجه عنه ولا يصل إليك ، فمال إليه أيضا ، ثمّ فعل مثل هذا بالباقين ، وكلّهم أطاع غير عين الدولة الياروقيّ فإنّه قال : أنا لا أخدم يوسف ، وعاد إلى نور الدين بالشام ومعه غيره من الأمراء ، وثبت قدم صلاح الدين ، ومع هذا فهو نائب عن نور الدين . وكان نور الدين يكاتبه بالأمير الاسفهسلار ، ويكتب علامته على رأس الكتاب تعظيما عن أن يكتب اسمه ، وكان لا يفرده بكتاب بل يكتب الأمير الاسفهسلار مع صلاح [ الدين ] وجميع الأمراء بالديار المصريّة يفعلون كذا . واستمال صلاح الدين قلوب النّاس ، وبذل الأموال ، فمالوا إليه وأحبّوه وضعف أمر العاضد ، ثمّ أرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أن يرسل إليه إخوته وأهله ، فأرسلهم إليه ، وشرط عليهم طاعته والقيام بأمره ومساعدته ، وكلّهم فعل ذلك ، وأخذ إقطاعات الأمراء المصريّين فأعطاها أهله والأمراء الذين معه ، وزادهم ، فازدادوا له حبّا وطاعة . قد اعتبرت التواريخ ، فرأيت كثيرا من التواريخ الإسلاميّة التي يمكن ضبطها ، ورأيت كثيرا ممّن يبتدئ الملك تنتقل الدولة عن صلبه إلى بعض أهله وأقاربه ، منهم أوّل الإسلام : معاوية بن أبي سفيان ، أوّل من ملك من أهل بيته ، فنقل الملك عن أعقابه إلى بني مروان من بني عمّه ، ثمّ من بعده السفّاح أوّل من ملك من بني العبّاس ، انتقل الملك من أعقابه إلى أخيه المنصور ، ثمّ السامانيّة أوّل من استبدّ منهم نصر بن أحمد ، فانتقل الملك عنه إلى أخيه