ابن الأثير
320
الكامل في التاريخ
ولمّا حكى لي هذه الحكاية لم أسأله عن تاريخها ، وإنّما كان في هذه المدّة في تلك البلاد ، فلهذا أثبتها هذه السنة على الظنّ والتخمين . وفيها قبض المؤيّد أي أبه ، صاحب نيسابور ، على وزيره ضياء الملك محمّد بن أبي طالب سعد بن أبي القاسم محمود الرازيّ وحبسه ، واستوزر بعده نصير الدين أبا بكر محمّد بن أبي نصر محمّد المستوفي ، وكان أيّام السلطان سنجر يتولّى إشراف ديوانه ، وهو من أعيان الدولة السنجريّة . وفي هذه السنة وردت الأخبار أنّ النّاس حجّوا سنة تسع وخمسين ، ولقوا شدّة ، وانقطع منهم خلق كثير في فيد والثعلبيّة وواقصة وغيرها ، وهلك كثير ، ولم يمض الحاجّ إلى مدينة النبيّ ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، لهذه الأسباب ، ولشدّة الغلاء فيها ، وعدم ما يقتات ، ووقع الوباء في البادية وهلك منهم عالم لا يحصون ، وهلكت مواشيهم ، وكانت الأسعار بمكّة غالية . وفيها ، في صفر ، قبض المستنجد باللَّه على الأمير توبة بن العقيليّ ، وكان قد قرب منه قربا عظيما بحيث يخلو معه ، وأحبّه المستنجد محبّة كثيرة ، فحسده الوزير ابن هبيرة ، فوضع كتبا من العجم مع قوم وأمرهم أن يتعرّضوا ليؤخذوا ، ففعلوا ذلك وأخذوا وأحضروا عند الخليفة ، فأظهروا الكتب بعد الامتناع الشديد ، فلمّا وقف الخليفة عليها خرج إلى نهر الملك يتصيّد ، وكانت حلل توبة على الفرات [ 1 ] ، فحضر عنده ، فأمر بالقبض عليه ، فقبض وأدخل بغداد ليلا وحبس ، فكان آخر العهد به ، فلم يمتّع الوزير بعده بالحياة بل مات بعد ثلاثة أشهر . وكان توبة من أكمل العرب مروءة وعقلا وسخاء وإجازة ، واجتمع فيه من خلال الكمال ما تفرّق في النّاس .
--> [ 1 ] - الفراة .