ابن الأثير

309

الكامل في التاريخ

عليهما مالا عظيما ، وكانت صدقاته وصلاته من أقاصي خراسان إلى حدود اليمن . وكان يشتري الأسرى كلّ سنة بعشرة آلاف دينار ، هذا من الشام حسب ، سوى ما يشتري من الكرج . حكى لي والدي عنه قال : كثيرا ما كنت أرى جمال الدين ، إذا قدّم إليه الطعام ، يأخذ منه ومن الحلوى ويتركه في خبز بين يديه ، فكنت أنا ومن يراه نظنّ أنّه يحمله إلى أمّ ولده عليّ ، فاتّفق أنّه في بعض السنين جاء إلى الجزيرة مع قطب الدين ، وكنت أتولّى ديوانها ، وحمل جاريته أمّ ولده إلى داري لتدخل الحمّام ، فبقيت في الدار أيّاما ، فبينما أنا عنده في الخيام وقد أكل الطعام ، فعل كما كان يفعل ثمّ تفرّق النّاس ، فقمت ، فقال : اقعد . فقعدت ، فلمّا خلا المكان قال لي : قد آثرتك اليوم على نفسي ، فإنّني في الخيام ما يمكنني أن أفعل ما كنت أفعله ، خذ هذا الخبز واحمله أنت في كمّك في هذا المنديل ، واترك الحماقة من رأسك ، وعد إلى بيتك ، فإذا رأيت في طريقك فقيرا يقع في نفسك أنّه مستحقّ فاقعد أنت بنفسك وأطعمه هذا الطعام . قال : ففعلت ذلك . وكان معي جمع كثير ، ففرّقتهم في الطريق لئلّا يروني أفعل ذلك ، وبقيت في غلماني ، فرأيت في موضع إنسانا أعمى ، وعنده أولاده وزوجته ، وهم من الفقر في حال شديد ، فنزلت عن دابّتي إليهم ، وأخرجت الطعام وأطعمتهم إيّاه ، وقلت للرجل : تجيء غدا بكرة إلى دار فلان ، أعني داري ، ولم أعرّفه نفسي ، فإنّني آخذ لك من صدقة جمال الدين شيئا ، ثمّ ركبت إليه العصر ، فلمّا رآني قال : ما الّذي فعلت في الّذي قلت لك ؟ فأخذت أذكر له شيئا يتعلّق بدولتهم ، فقال : ليس عن هذا أسألك إنّما أسألك عن الطعام الّذي سلّمته إليك ، فذكرت له الحال ، ففرح ثمّ قال : بقي أنّك لو قلت للرجل يجيء إليك هو وأهله فتكسوهم وتعطيهم