ابن الأثير

300

الكامل في التاريخ

سار بعساكره إلى أطراف بلادهم ليمتنعوا عن المسير ، فلم يمنعهم ذلك لعلمهم أنّ الخطر في مقامهم ، إذا ملك أسد الدين مصر ، أشدّ ، فتركوا في بلادهم من يحفظها ، وسار ملك القدس في الباقين إلى مصر . وكان قد وصل إلى الساحل جمع كثير من الفرنج في البحر لزيارة البيت المقدس ، فاستعان بهم الفرنج الساحليّة ، فأعانوهم ، فسار بعضهم معهم ، وأقام بعضهم في البلاد لحفظها ، فلمّا قارب الفرنج مصر فارقها أسد الدين ، وقصد مدينة بلبيس ، فأقام بها هو وعسكره ، وجعلها له ظهرا يتحصّن به ، فاجتمعت العساكر المصريّة والفرنج ، ونازلوا أسد الدين شيركوه بمدينة بلبيس ، وحصروه بها ثلاثة أشهر ، وهو ممتنع بها مع أنّ سورها قصير جدّا ، وليس لها خندق ، ولا فصيل يحميها ، وهو يغاديهم القتال ويراوحهم ، فلم يبلغوا منه غرضا ، ولا نالوا منه شيئا . فبينما هم كذلك إذ أتاهم الخبر بهزيمة الفرنج على حارم وملك نور الدين حارم ومسيره إلى بانياس ، على ما نذكره إن شاء اللَّه تعالى ، فحينئذ سقط في أيديهم ، وأرادوا العودة إلى بلادهم ليحفظوها ، فراسلوا أسد الدين في الصلح والعود إلى الشام ، ومفارقة مصر ، وتسليم ما بيده منها إلى المصريّين ، فأجابهم إلى ذلك لأنّه لم يعلم ما فعله نور الدين بالشام بالفرنج ، ولأن الأقوات والذخائر قلّت عليه ، وخرج من بلبيس في ذي الحجّة . فحدّثني من رأى أسد الدين حين خرج من بلبيس قال : أخرج أصحابه بين يديه ، وبقي في آخرهم وبيده لتّ من حديد يحمي ساقتهم ، والمسلمون والفرنج ينظرون إليه . قال : فأتاه فرنجيّ من الغرباء الذين خرجوا من البحر ، فقال له : أما تخاف أن يغدر بك هؤلاء المصريّون والفرنج ، وقد أحاطوا بك وبأصحابك ، ولا يبقى لكم بقيّة ؟ فقال شيركوه : يا ليتهم فعلوه حتى كنت ترى ما أفعله ، كنت واللَّه أضع السيف ، فلا يقتل منّا رجل حتى يقتل منهم