ابن الأثير
186
الكامل في التاريخ
ابن حسن وغيرهم ، يحثّهم على لقاء عبد المؤمن ويعرض عليهم أن يرسل إليهم خمسة آلاف فارس من الفرنج يقاتلون معهم على شرط أن يرسلوا إليه الرهائن ، فشكروه وقالوا : ما بنا حاجة إلى نجدته ولا نستعين بغير المسلمين . وساروا في عدد لا يحصى ، وكان عبد المؤمن قد رحل من بجاية إلى بلاد المغرب ، فلمّا بلغه خبرهم جهّز جيشا من الموحّدين يزيد على ثلاثين ألف فارس ، واستعمل عليهم عبد اللَّه بن عمر الهنتاتي ، وسعد اللَّه بن يحيى ، وكان العرب أضعافهم ، فاستجرّهم الموحّدون وتبعهم العرب إلى أن وصلوا إلى أرض سطيف ، بين جبال ، فحمل عليهم عسكر عبد المؤمن فجاءه والعرب على غير أهبة ، والتقى الجمعان ، واقتتلوا أشدّ قتال وأعظمه ، فانجلت المعركة عن انهزام العرب ونصرة الموحّدين . وترك العرب جميع ما لهم من أهل ومال وأثاث ونعم ، فأخذ الموحّدون جميع ذلك ، وعاد الجيش إلى عبد المؤمن بجميعه ، فقسم جميع الأموال على عسكره ، وترك النساء والأولاد تحت الاحتياط ، ووكّل بهم من الخدم الخصيان من يخدمهم ويقوم بحوائجهم ، وأمر بصيانتهم ، فلمّا وصلوا معه إلى مرّاكش أنزلهم في المساكن الفسيحة ، وأجرى لهم النفقات الواسعة ، وأمر عبد المؤمن ابنه محمّدا أن يكاتب أمراء العرب ويعلمهم أنّ نساءهم وأولادهم تحت الحفظ والصيانة ، وأمرهم أن يحضروا ليسلّم إليهم أبوه ذلك جميعه ، وأنّه قد بذل لهم الأمان والكرامة . فلمّا وصل كتاب محمّد إلى العرب سارعوا إلى المسير إلى مرّاكش ، فلمّا وصلوا إليها أعطاهم عبد المؤمن نساءهم وأولادهم وأحسن إليهم وأعطاهم أموالا جزيلة ، فاسترقّ قلوبهم بذلك ، وأقاموا عنده ، وكان بهم حفيّا ، واستعان بهم على ولاية ابنه محمّد للعهد ، على ما نذكره سنة إحدى وخمسين [ وخمسمائة ] .