ابن الأثير

161

الكامل في التاريخ

محمّد بن عبد اللَّه بن القاسم الشّهرزوريّ في رسالة ، فوصل إليه وأقام معه في العسكر ، فوقف يوما على خيمة الوزير ، حتى قارب أذان المغرب ، فعاد إلى خيمته ، فأذّن المغرب وهو في الطريق ، فرأى إنسانا فقيها في خيمة ، فنزل إليه ، فصلّى معه المغرب ، ثمّ سأله كمال الدين من أين هو ؟ فقال : أنا قاضي مدينة كذا . فقال له كمال الدين : القضاة ثلاثة ، قاضيان في النّار ، وهو أنا وأنت ، وقاض في الجنّة وهو من لم يعرف أبواب هؤلاء الظّلمة ولا يراهم ، فلمّا كان الغد أرسل السلطان وأحضر كمال الدين إليه ، فلمّا دخل عليه ورآه ضحك وقال : القضاة ثلاثة . فقال كمال الدين : نعم يا مولانا . فقال : واللَّه صدقت ، ما أسعد من لا يرانا ولا نراه ! ثمّ أمر أن تقضى حاجته وأعاده من يومه . وكان كريما عفيفا عن الأموال التي للرعايا ، حسن السيرة فيهم ، من أصلح السلاطين سيرة وألينهم عريكة ، سهل الأخلاق لطيفا ، فمن ذلك أنّه اجتاز يوما في بعض أطراف بغداد ، فسمع امرأة تقول لأخرى : تعالي انظري إلى السلطان ، فوقف وقال : حتى تجيء هذه الستّ تنظر إلينا . وله فضائل كثيرة ومناقب جمّة ، وكان عهد إلى ملك شاه ابن أخيه السلطان محمود ، فلمّا توفّي خطب له الأمير خاصّ بك بن بلنكري بالسّلطنة ، ورتّب الأمور ، وقرّرها بين يديه ، وأذعن له جميع العسكر بالطاعة . ولما وصل الخبر إلى بغداد بموت السلطان مسعود هرب الشحنة بها ، وهو مسعود بلال ، إلى تكريت ، واستظهر الخليفة المقتفي لأمر اللَّه على داره ، ودور أصحاب السلطان ببغداد ، وأخذ كلّ ما لهم فيها ، وكلّ من كان عنده وديعة لأحد منهم أحضرها بالديوان ، وجمع الخليفة الرجال والعساكر وأكثر التجنيد ، وتقدّم بإراقة الخمور من مساكن أصحاب السلطان ، ووجد في دار مسعود بلال ، شحنة بغداد ، كثير من الخمر ، فأريق ، ولم يكن النّاس