ابن الأثير

149

الكامل في التاريخ

فوصل بعضهم إلى المدينة وتحمّلوا منها إلى البلاد ، وأقام بعضهم مع العرب حتى توصّل إلى البلاد . ثمّ إنّ اللَّه تعالى انتصر للحاجّ من زعب فلم يزالوا في نقص وذلّة ، ولقد رأيت شابّا منهم بالمدينة سنة ستّ وسبعين وخمسمائة ، وجرى بيني وبينه مفاوضة قلت له فيها : إنّني واللَّه كنت أميل إليك حتى سمعت أنّك من زعب فنفرت وخفت شرّك . فقال : ولم ؟ فقلت : بسبب أخذكم الحاجّ . فقال لي : أنا لم أدرك ذلك الوقت ، وكيف رأيت اللَّه صنع بنا ؟ واللَّه ما أفلحنا ، ولا نجحنا ، قلّ العدد وطمع العدوّ فينا . ذكر فتح حصن فاميا في هذه السنة فتح نور الدين محمود ابن الشهيد زنكي حصن فاميا من الفرنج وهو مجاور شيزر وحماة على تلّ عال من أحصن القلاع وأمنعها ، فسار نور الدين إليه وحصره وبه الفرنج وقاتلهم وضيّق على من به منهم ، فاجتمع من بالشام من الفرنج وساروا نحوه ليرحّلوه عنهم فلم يصلوا إلّا وقد ملكه وملأه ذخائر وسلاحا ورجالا وجميع ما يحتاج إليه ، فلمّا بلغه مسير الفرنج إليه رحل عنه وقد فرغ من أمر الحصن وسار إليهم يطلبهم ، فحين رأوا أنّ الحصن قد ملك وقوة عزم نور الدين على لقائهم عدلوا عن طريقه ودخلوا بلادهم وراسلوه في المهادنة وعاد سالما مظفّرا ومدحه الشعراء وذكروا هذا الفتح ، فمن ذلك قول ابن الروميّ من قصيدة أوّلها : أسنى الممالك ما أطلت منارها * وجعلت مرهفة الدّسار دسارها وأحقّ من ملك البلاد وأهلها * رؤوف تكنّف عدله أقطارها