ابن الأثير
111
الكامل في التاريخ
الشيب [ 1 ] ، وكان قد زاد عمره على ستّين سنة ، لأنه كان لما قتل والده صغيرا ، كما ذكرناه قبل ، ولما قتل دفن بالرّقّة . وكان شديد الهيبة على عسكره ورعيّته ، عظيم السياسة ، لا يقدر القوي على ظلم الضعيف ، وكانت البلاد ، قبل أن يملكها ، خرابا من الظلم ، وتنقل الولاة ، ومجاورة الفرنج ، فعمرها وامتلأت أهلا وسكّانا . حكى لي والدي قال : رأيت الموصل وأكثرها خراب ، بحيث يقف الإنسان قريب محلّة الطبالين ويرى الجامع العتيق ، والعرصة ، ودار السلطان ، ليس بين ذلك عمارة ، وكان الإنسان لا يقدر على المشي إلى الجامع العتيق إلا ومعه من يحميه ، لبعده عن العمارة ، وهو الآن في وسط العمارة وليس في هذه البقاع المذكورة كلها أرض براح ، وحدثني أيضا أنه وصل إلى الجزيرة في الشتاء ، فدخل الأمير عزّ الدين الدّبيسيّ ، وهو من أكابر أمرائه ، ومن جملة أقطاعه مدينة دقوقا ، ونزل في دار إنسان يهودي ، فاستغاث اليهوديّ إلى أتابك ، وأنهى حاله إليه ، فنظر إلى الدّبيسي ، فتأخّر ، ودخل البلد ، وأخرج بركه وخيامه . قال : فلقد رأيت غلمانه ينصبون خيامه في الوحل ، وقد جعلوا على الأرض تبنا يقيهم الطين ، وخرج فنزلها ، وكانت سياسته إلى هذا الحدّ . وكانت الموصل من أقلّ بلاد اللَّه فاكهة ، فصارت في أيّامه ، وما بعدها ، من أكثر البلاد فواكه « 1 » ورياحين وغير ذلك . وكان أيضا شديد الغيرة ولا سيّما على نساء الأجناد ، وكان يقول : إن
--> [ 1 ] السبب . ( 1 ) . البلاد فاكة . A