ابن الأثير
66
الكامل في التاريخ
اللَّه تعالى قد كتب باسمك هذا الفتح ، فالقهم يوم الجمعة ، بعد الزوال ، في الساعة التي تكون الخطباء على المنابر ، فإنّهم يدعون للمجاهدين بالنصر ، والدعاء مقرون بالإجابة . فلمّا كانت تلك الساعة صلّى بهم ، وبكى السلطان ، فبكى الناس لبكائه ، ودعا ودعوا معه « 1 » ، وقال لهم : من أراد الانصراف فلينصرف ، فما هاهنا سلطان يأمر وينهى ، وألقى القوس والنُّشّاب ، وأخذ السيف والدبّوس ، وعقد ذنب فرسه بيده ، وفعل عسكره مثله ، ولبس البياض ، وتحنّط ، وقال : إن قتلت فهذا كفني . وزحف إلى الروم ، وزحفوا إليه ، فلمّا قاربهم ترجّل وعفّر وجهه على التراب ، وبكى ، وأكثر الدعاء ، ثم ركب وحمل ، وحملت العساكر معه ، فحصل المسلمون في وسطهم وحجز الغبار بينهم ، فقتل المسلمون فيهم كيف شاءوا ، وأنزل اللَّه نصره عليهم ، فانهزم الروم ، وقتل منهم ما لا يحصى ، حتّى امتلأت الأرض بجثث القتلى ، وأسر ملك الروم ، أسره بعض غلمان كوهرائين ، أراد قتله ولم يعرفه ، فقال له خادم « 2 » مع الملك : لا تقتله ، فإنّه الملك . وكان هذا الغلام قد عرضه كوهرائين على نظام الملك ، فردّه استحقارا له ، فأثنى عليه كوهرائين ، فقال نظام الملك : عسى أن يأتينا بملك الروم أسيرا ، فكان كذلك . فلمّا أسر الغلام الملك أحضره عند كوهرائين ، فقصد السلطان وأخبره بأسر الملك ، فأمر بإحضاره ، فلمّا أحضر ضربه السلطان ألب أرسلان ثلاث مقارع بيده وقال له : ألم أرسل إليك في الهدنة فأبيت ؟ فقال : دعني من
--> ( 1 ) . له . A ( 2 ) . خدمة . A