ابن الأثير
638
الكامل في التاريخ
يوم عليهم عند أبواب البلد وعلى شاطئ دجلة ، وعزم عسكر الخليفة على أن يكبسوا عسكر السلطان ، فغدر بهم الأمير أبو الهيجاء الكرديّ ، صاحب إربل ، وخرج كأنّه يريد القتال ، فالتحق هو وعسكره بالسلطان . وكان السلطان قد أرسل إلى عماد الدين بواسط يأمره أن يحضر هو بنفسه ، ومعه المقاتلة في السفن ، وعلى الدوابّ في البرّ ، فجمع كلّ سفينة في البصرة إلى بغداذ ، وشحنها بالرجال المقاتلة ، وأكثر من السلاح ، وأصعد ، فلمّا قارب بغداذ أمر كلّ من معه في السفن وفي البرّ بلبس السلاح ، وإظهار ما عندهم من الجلد والنهضة ، فسارت السفن في الماء ، والعسكر في البرّ على شاطئ دجلة قد انتشروا وملئوا الأرض برّا وبحرا ، فرأى الناس منظرا عجيبا ، كبر في أعينهم ، وملأ صدورهم ، وركب السلطان والعسكر إلى لقائهم ، فنظروا إلى ما [ لم ] يروا مثله ، وعظم عماد الدين في أعينهم ، وعزم السلطان على قتال بغداذ حينئذ ، والجدّ في ذلك في البرّ والماء . فلمّا رأى الإمام المسترشد باللَّه الأمر على هذه الصورة ، وخروج الأمير أبي الهيجاء من عنده ، أجاب إلى الصلح ، وتردّدت الرسل بينهما ، فاصطلحا ، واعتذر السلطان ممّا جرى ، وكان حليما يسمع سبّه بأذنه فلا يعاقب عليه ، وعفا عن أهل بغداذ جميعهم . وكان أعداء الخليفة يشيرون على السلطان بإحراق بغداذ ، فلم يفعل ، وقال : لا تساوي الدنيا فعل مثل هذا . وأقام ببغداذ إلى رابع شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين [ وخمسمائة ] ، وحمل الخليفة من المال إليه كما استقرّت القاعدة عليه ، وأهدى له سلاحا وخيلا وغير ذلك ، فمرض السلطان ببغداذ ، فأشار عليه الأطبّاء بمفارقتها ، فرحل إلى همذان ، فلمّا وصلها عوفي .