ابن الأثير
583
الكامل في التاريخ
ذكر ملك عبد المؤمن مدينة مرّاكش لمّا فرغ عبد المؤمن من فاس ، وتلك النواحي ، سار إلى مرّاكش ، وهي كرسيّ مملكة الملثّمين ، وهي من أكبر المدن وأعظمها ، وكان صاحبها حينئذ إسحاق بن عليّ بن يوسف بن تاشفين ، وهو صبيّ ، فنازلها ، وكان نزوله عليها [ 1 ] سنة إحدى وأربعين [ وخمسمائة ] ، فضرب خيامه في غربيّها على جبل صغير ، وبنى [ 2 ] عليه مدينة له ولعسكره ، وبنى [ 2 ] بها جامعا وبنى [ 2 ] له بناء عاليا يشرف [ 3 ] منه على المدينة ، ويرى أحوال أهلها ، وأحوال المقاتلين من أصحابه ، وقاتلها قتالا كثيرا ، وأقام عليها أحد عشر شهرا ، فكان من بها من المرابطين يخرجون يقاتلونهم بظاهر البلد ، واشتدّ الجوع على أهله ، وتعذّرت الأقوات عندهم . ثم زحف إليهم يوما ، وجعل لهم كمينا ، وقال لهم : إذا سمعتم صوت الطبل فأخرجوا ، وجلس هو بأعلى المنظرة التي بناها يشاهد القتال ، وتقدّم عسكره ، وقاتلوا ، وصبروا ، ثم إنّهم انهزموا لأهل مرّاكش ليتبعوهم إلى الكمين الّذي لهم ، فتبعهم الملثّمون إلى أن وصلوا إلى مدينة عبد المؤمن ، فهدموا أكثر سورها ، وصاحت المصامدة بعبد المؤمن ليأمر بضرب الطبل ليخرج الكمين ، فقال لهم : اصبروا حتّى يخرج كلّ طامع في البلد ، فلمّا خرج أكثر أهله أمر بالطبل فضرب وخرج الكمين عليهم ، ورجع المصامدة المنهزمون إلى الملثّمين فقتلوهم كيف شاءوا ، وعادت الهزيمة على الملثمين ، فمات في زحمة الأبواب ما لا يحصيه إلّا اللَّه سبحانه .
--> [ 1 ] عليه . [ 2 ] وبنا . [ 3 ] شرف .