ابن الأثير
571
الكامل في التاريخ
الحسان عدّة كثيرة ، وهنّ مسفرات ، وكانت هذه عادة الملثّمين يسفر نساؤهم [ عن ] وجوههنّ ، ويتلثّم الرجال ، فحين رأى النساء كذلك أنكر عليهنّ ، وأمرهنّ بستر وجوههنّ وضرب هو وأصحابه دوابّهنّ ، فسقطت أخت أمير المسلمين عن دابّتها ، فرفع أمره إلى أمير المسلمين عليّ بن يوسف ، فأحضره ، وأحضر الفقهاء ليناظروه ، فأخذ يعظه ، ويخوّفه ، فبكى أمير المسلمين ، وأمر أن يناظره الفقهاء ، فلم يكن فيهم من يقوم له لقوّة أدلّته في الّذي فعله . وكان عند أمير المسلمين بعض وزرائه يقال له مالك بن وهيب ، فقال : يا أمير المسلمين ، إنّ هذا واللَّه لا يريد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إنّما يريد إثارة فتنة ، والغلبة على بعض النواحي ، فأقتله وقلّدني دمه . فلم يفعل ذلك ، فقال : إن [ 1 ] لم تقتله فاحبسه ، وخلّده [ في ] السجن ، وإلّا أثار شرّا لا يمكن تلافيه . فأراد حبسه ، فمنعه رجل من أكابر الملثّمين يسمّى بيان بن عثمان ، فأمر بإخراجه من مرّاكش ، فسار إلى أغمات ، ولحق بالجبل ، فسار فيه ، حتّى التحق بالسّوس الّذي فيه قبيلة هرغة وغيرهم من المصامدة سنة أربع عشرة [ وخمسمائة ] ، فأتوه ، واجتمعوا حوله . وتسامع به أهل تلك النواحي ، فوفدوا عليه ، وحضر أعيانهم بين يديه ، وجعل يعظهم ، ويذكّرهم بأيّام اللَّه ، ويذكر لهم شرائع الإسلام ، وما غير منها ، وما حدث من الظلم والفساد ، وأنّه لا يجب طاعة دولة من هذه الدول لاتباعهم الباطل ، بل الواجب قتالهم ، ومنعهم عمّا هم فيه ، فأقام على ذلك نحو سنة ، وتابعته هرغة قبيلته ، وسمّى أتباعه الموحّدين ، وأعلمهم أنّ النبيّ ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، بشّر بالمهديّ الّذي يملأ الأرض عدلا ، وأنّ مكانه الّذي يخرج منه المغرب الأقصى ، فقام إليه عشرة رجال ، أحدهم عبد المؤمن ، فقالوا : لا يوجد هذا إلّا فيك فأنت المهدي ، فبايعوه على ذلك .
--> [ 1 ] إذ .