ابن الأثير
412
الكامل في التاريخ
وأقام مراصدا لها ، ومنتظرا وجود فرصة فيها ، فخرج فخر الملك أبو عليّ ابن عمّار ، صاحب طرابلس ، فأحرق ربضه ، ووقف صنجيل على بعض سقوفه المتحرّقة ، ومعه جماعة من القمامصة والفرسان ، فانخسف بهم ، فمرض صنجيل من ذلك عشرة أيّام ومات ، وحمل إلى القدس فدفن فيه . ثم إنّ ملك الروم أمر أصحابه باللاذقيّة ليحملوا الميرة إلى هؤلاء الفرنج الذين على طرابلس ، فحملوها في البحر ، فأخرج إليها فخر الملك بن عمّار أسطولا ، فجرى بينهم وبين الروم قتال شديد ، فظفر المسلمون بقطعة من الروم ، فأخذوها ، وأسروا من كان بها وعادوا . ولم تزل الحرب بين أهل طرابلس والفرنج خمس سنين إلى هذا الوقت ، فعدمت الأقوات به ، وخاف أهله على نفوسهم وأولادهم وحرمهم ، فجلا الفقراء ، وافتقر الأغنياء ، وظهر من ابن عمّار صبر عظيم ، وشجاعة ، ورأي سديد . وممّا أضرّ بالمسلمين فيها أنّ صاحبها استنجد سقمان بن أرتق ، فجمع العساكر وسار إليه ، فمات في الطريق ، على ما ذكرناه ، وإذا أراد اللَّه أمرا هيّأ أسبابه . وأجرى ابن عمّار الجرايات على الجند والضّعفى ، فلمّا قلّت الأموال عنده شرع يقسّط على الناس ما يخرجه في باب الجهاد ، فأخذ من رجلين من الأغنياء مالا مع غيرهما ، فخرج الرجلان إلى الفرنج وقالا : إنّ صاحبنا صادرنا ، فخرجنا إليكم لنكون معكم ، وذكرا لهم أنّه تأتيه الميرة من عرقة والجبل ، فجعل الفرنج جمعا على ذلك الجانب يحفظه من دخول شيء إلى البلد ، فأرسل ابن عمّار وبذل للفرنج مالا كثيرا ليسلّموا الرجلين إليه ، فلم يفعلوا ، فوضع عليهما من قتلهما غيلة « 1 » .
--> ( 1 ) . عندهم لعنهم اللَّه . B