ابن الأثير
27
الكامل في التاريخ
وأمّا الأحوال بالعراق ، بعد وفاته ، فإنّه كتب من ديوان الخلافة إلى شرف الدولة مسلم بن قريش ، صاحب الموصل ، وإلى نور الدولة دبيس بن مزيد ، وإلى هزارسب ، وإلى بني ورّام ، وإلى بدر بن المهلهل ، بالاستدعاء إلى بغداذ ، وأرسل لشرف الدولة تشريف ، وعمل أبو سعد القائنيُّ ، ضامن بغداذ ، سورا على قصر عيسى ، وجمع الغلّات . فانحدر إبراهيم بن شرف الدولة إلى أوانا ، وتسلّم أصحابه الأنبار ، وانتشرت البادية في البلاد ، وقطعوا الطرقات . وقدم إلى بغداذ دبيس بن مزيد ، وخرج الوزير ابن جهير لاستقباله ، وقدم أيضا ورّام ، وتوفّي ببغداذ أبو الفتح بن ورّام ، مقدّم الأكراد الجاوانيّة ، فحمل إلى جرجرايا ، وفارق شرف الدولة مسلم بغداذ ، ونهب النواحي ، فسار نور الدولة ، والأكراد ، وبنو خفاجة إلى قتاله . ثم أرسل إليه من ديوان الخلافة [ 1 ] رسول معه خلعة له ، وكوتب بالرضاء عنه ، وانحدر إليه نور الدولة دبيس ، فعمل له شرف الدولة سماطا كثيرا ، وكان في الجماعة الأشرف أبو الحسين بن فخر الملك أبي غالب بن خلف ، كان قصد شرف الدولة مستجديا ، فمضغ لقمة ، فمات من ساعته . وحكى عنه بعض من صحبه أنّه سمعه ذلك اليوم يقول : اللَّهمّ اقبضني ، فقد ضجرتُ من الإضاقة ! فلمّا توفّي ورفع من السماط خاف شرف الدولة أن يظنّ من حضر أنّه تناول طعاما مسموما قصد به غيره ، فقال : يا معشر العرب لا برح منكم أحد ، ونهض وجلس مكان ابن فخر الملك المتوفّى ، وجعل يأكل من الطعام الّذي بين يديه ، فاستحسن الجماعة فعله ، وعادوا عنه وخلع على دبيس وولده منصور وعاد إلى حلّته . ولمّا رأى الناس ببغداذ انتشار الأعراب في البلاد ونهبها ، حملوا السلاح لقتالهم ، وكان ذلك سببا لكثرة العيّارين وانتشار المفسدين .
--> [ 1 ] الخلعة .