ابن الأثير

184

الكامل في التاريخ

فلمّا علم أهل البلد بذلك فارقوا ديارهم وانصرفوا ، ودخل العرب حينئذ البصرة ، وقد قويت نفوسهم ، وملكوها ، ونهبوا ما فيها نهبا شنيعا ، فكانوا ينهبون نهارا ، وأصحاب العميد عصمة ينهبون ليلا ، وأحرقوا مواضع عدّة ، وفي جملة ما أحرقوا داران [ 1 ] للكتب إحداهما وقفت قبل أيّام عضد الدولة ابن بويه ، فقال عضد الدولة : هذه مكرمة سبقنا إليها ، وهي أوّل دار وقفت في الإسلام . والأخرى وقفها الوزير أبو منصور بن شاه مردان ، وكان بها نفائس الكتب وأعيانها ، وأحرقوا أيضا النحّاسين وغيرها من الأماكن . وخرّبت وقوف البصرة التي لم يكن لها نظير ، من جملتها : وقوف على الحمّال « 1 » الدائرة على شاطئ دجلة ، وعلى الدواليب التي تحمل الماء وترقّيه إلى قنى « 2 » الرصاص الجارية إلى المصانع ، وهي على فراسخ من البلد ، وهي من عمل محمّد بن سليمان « 3 » الهاشميّ وغيره . وكان فعل العرب بالبصرة أوّل خرق جرى في أيّام السلطان ملك شاه . فلمّا فعلوا ذلك ، وبلغ الخبر إلى بغداذ ، انحدر سعد الدولة كوهرائين ، وسيف الدولة صدقة بن مزيد إلى البصرة لإصلاح أمورها ، فوجدوا العرب قد فارقوها . ثم إن تليا أخذ بالبحرين ، وأرسل إلى السلطان ، فشهّره ببغداذ سنة أربع وثمانين [ وأربعمائة ] على جمل ، وعلى رأسه طرطور ، وهو يصفع بالدّرّة ، والناس يشتمونه ، ويسبّهم « 4 » ، ثم أمر به فصلب .

--> [ 1 ] دارين . ( 1 ) الجمال . a ( 2 ) قناة . a ( 3 ) . سليمان بن محمد . a ( 4 ) . ويشتمهم . p . c