ابن الأثير

415

الكامل في التاريخ

ميمنة خمارويه ، فانهزمت ، فلمّا رأى ذلك خمارويه ، ولم يكن رأى مصافّا قبله ، ولّى منهزما في نفر من الأحداث الذين لا علم لهم بالحرب ، ولم يقف دون مصر . ونزل المعتضد إلى خيام خمارويه ، وهو لا يشكّ في تمام النصر ، فخرج الذين عليهم سعيد الأيسر ، وانضاف إليه من بقي من جيش خمارويه ، ونادوا بشعارهم ، وحملوا على عسكر المعتضد وهم مشغولون بنهب السواد ، ووضع المصريّون السيف فيهم ، وظنّ المعتضد أنّ خمارويه قد عاد ، فركب فانهزم ولم يلو على شيء ، فوصل إلى دمشق ، ولم يفتح له أهلها بابها ، فمضى منهزما حتّى بلغ طرسوس ، وبقي العسكران يضطربان بالسيوف ، وليس لواحد منهما أمير . وطلب سعيد الأيسر خمارويه فلم يجده ، فأقام أخاه أبا العشائر ، وتمّت الهزيمة على العراقيّين ، وقتل منهم خلق كثير وأسر كثير . وقال سعيد للعساكر : إن هذا أخو صاحبكم ، وهذه الأموال تنفق فيكم ، ووضع العطاء ، فاشتغل الجند عن الشغب بالأموال ، وسيّرت البشارة إلى مصر ، ففرح خمارويه بالظّفر ، وخجل للهزيمة ، غير أنّه أكثر الصدقة ، وفعل مع الأسرى فعلة لم يسبق إلى مثلها أحد قبله ، فقال لأصحابه : إنّ هؤلاء أضيافكم فأكرموهم ، ثمّ أحضرهم بعد ذلك وقال لهم : من اختار المقام عندي فله الإكرام والمواساة ، ومن أراد الرجوع جهّزناه وسيّرناه ، فمنهم من أقام ومنهم من سار مكرّما ، وعادت عساكر خمارويه إلى الشام ففتحته أجمع ، فاستقرّ ملك خمارويه له .