ابن الأثير
453
الكامل في التاريخ
ذكر قبض الفضل بن مروان وكان الفضل بن مروان من البردان ، وكان حسن الخطّ ، فاتّصل بيحيى الجرمقانيّ ، كاتب المعتصم ، قبل خلافته ، فكان يكتب بين يديه ، فلمّا هلك الجرمقانيّ صار موضعه ، وسار مع المعتصم إلى الشام ، ومصر ، فأخذ من الأموال الكثير ، فلمّا صار المعتصم خليفة كان اسمها له ، وكان معناها للفضل ، واستولى على الدواوين كلّها ، وكنز [ 1 ] الأموال . وكان المعتصم يأمره بإعطاء المغنّي والنديم ، فلا ينفذ الفضل ذلك ، فثقل على المعتصم ، وكان له مضحك اسمه إبراهيم ، يعرف بالهفتيّ ، فأمر له المعتصم بمال ، وتقدّم إلى الفضل بإعطائه ، فلم يعطه شيئا ، فبينا الهفتي يوما عند المعتصم ، يمشي معه في بستان له ، وكان الهفتيّ يصحبه قبل الخلافة ، ويقول له فيما يداعبه : واللَّه لا تفلح أبدا ، وكان مربوعا بدينا ، وكان المعتصم خفيف اللّحم ، فكان يسبقه ، ويلتفت إليه ويقول : ما لك لا تسرع المشي ؟ فلمّا أكثر عليه من ذلك قال الهفتيّ مداعبا له : كنت أراني أماشي خليفة ، ولم [ أكن ] أراني أماشي فيجا ، واللَّه لا أفلحت أبدا ! فضحك المعتصم وقال : وهل بقي من الفلاح شيء لم أدركه بعد الخلافة ؟ فقال : أتظنّ أنّك أفلحت ؟ لا واللَّه ، ما لك من الخلافة إلّا اسمها ، ما يتجاوز أمرك أذنيك ، إنّما الخليفة الفضل ، فقال : وأيّ أمر لي لم ينفذ ؟ فقال الهفتيّ : أمرت لي بكذا وكذا منذ شهرين ، فما أعطيت حبّة ، فحقدها على الفضل . فقيل : أوّل ما أحدثه في أمره أن جعل زماما في نفقات الخاصّة ، وفي
--> [ 1 ] وكثير .