ابن الأثير
410
الكامل في التاريخ
يأتي أمرا يعتذر منه ، فأطنب فيه ، فقال : لقد مدحته على سوء رأيك فيه ، قال : لأنّي كما قال الشاعر : كفى شكرا لما أسديت أنّي * صدقتك في الصّديق وفي عداتي قال : فأعجب المأمون من كلامه وأدبه . وحجّ بالنّاس هذه السنة عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن العبّاس بن محمّد بن عليّ . وفيها قتل أهل ماردة من الأندلس عاملهم ، فثارت الفتنة عندهم ، فسيّر إليهم عبد الرحمن جيشا ، فحصرهم ، وأفسد زرعهم وأشجارهم ، فعاودوا الطاعة ، وأخذت رهائنهم ، وعاد الجيش بعد أن خرّبوا سور المدينة . ثمّ أرسل عبد الرحمن إليهم بنقل حجارة السور إلى النهر لئلّا يطمع أهلها في عمارته [ 1 ] ، فلمّا رأوا ذلك عادوا إلى العصيان ، وأسروا العامل عليهم ، وجدّدوا بناء السور وأتقنوه . فلمّا دخلت سنة أربع عشرة سار عبد الرحمن ، صاحب الأندلس ، في جيوشه إلى ماردة ، ومعه رهائن أهلها ، فلمّا بارزها راسله أهلها ، وافتكّوا رهائنهم بالعامل الّذي أسروه وغيره ، وحصرهم ، وأفسد بلدهم ورحل عنهم . ثمّ سيّر إليهم جيشا سنة سبع عشرة ومائتين ، فحصروها ، وضيّقوا عليها ، ودام الحصار ، ثمّ رحلوا عنهم . فلمّا دخلت سنة ثماني عشرة [ 2 ] سيّر إليها جيشا ، ففتحها ، وفارقها أهل الشرّ والفساد ، وكان من أهلها إنسان اسمه محمود بن عبد الجبّار المارديّ ، فحصره عبد الرحمن بن الحكم في جمع كثير من الجند ، وصدقوه القتال ،
--> [ 1 ] عمارة . [ 2 ] ثمانية عشر .