ابن الأثير

213

الكامل في التاريخ

فلمّا أيس من نفسه أمر بقبره ، فحفر في موضع من الدار التي كان فيها ، وأنزل إليه قوما ، فقرءوا فيه القرآن حتى ختموا ، وهو في محفّة على شفير القبر ، يقول : ابن آدم تصير إلى هذا ، وكان يقول في تلك الحال : وا سوأتاه من رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم . وقال الهيثم بن عديّ : لما حضرت الرشيد الوفاة غشي عليه ، ففتح عينيه منها فرأى الفضل بن الربيع على رأسه ، فقال : يا فضل : أحين دنا ما كنت أرجو دنوّه * رمتني عيون النّاس من كلّ جانب فأصبحت مرحوما وكنت محسّدا * فصبرا على مكروه تلك [ 1 ] العواقب . سأبكي على الوصل الّذي كان بيننا * وأندب أيّام السّرور الذّواهب قال سهل بن صاعد : كنت عند الرشيد وهو يجود بنفسه ، فدعا بملحفة غليظة ، فأحتبى [ 2 ] بها ، وجعل يقاسي ما يقاسي ، فنهضت ، فقال : اقعد ، فقعدت طويلا لا يكلّمني ولا أكلّمه ، فنهضت ، فقال : أين يا سهل ؟ فقلت : * ما يسع قلبي [ أن أرى ] أمير المؤمنين ، يعاني من المرض ما يعاني [ 3 ] ، فلو اضطجعت ، يا أمير المؤمنين [ كان أروح ] . فضحك ضحك صحيح [ 4 ] ، ثمّ قال : يا سهل ! اذكر في هذه الحال قول الشاعر : وإنّي من قوم كرام يزيدهم * شماسا وصبرا شدّة الحدثان ثمّ مات ، وصلّى عليه ابنه صالح ، وحضر وفاته الفضل بن الربيع ،

--> [ 1 ] من . [ 2 ] فأجنّني . [ 3 ] ما يتّسع قلبي يا أمير المؤمنين يعافي من المرض ما يعافي . [ 4 ] ضحكا صحيحا