ابن الأثير
443
الكامل في التاريخ
هذا جميع ما ذكره أبو جعفر في استلحاق معاوية نسب زياد ، ولم يذكر حقيقة الحال في ذلك ، إنّما ذكر حكاية جرت بعد استلحاقه ، وأنا أذكر سبب ذلك وكيفيّته ، فإنّه من الأمور المشهورة الكبيرة في الإسلام لا ينبغي إهمالها . وكان ابتداء حاله أنّ سميّة أمّ زياد كانت لدهقان زندورد بكسكر ، فمرض الدهقان ، فدعا الحارث بن كلدة الطبيب الثقفي ، فعالجه فبرأ ، فوهبه سميّة ، فولدت عند الحارث أبا بكرة ، واسمه نفيع ، فلم يقرّ به ، ثمّ ولدت نافعا ، فلم يقرّ به أيضا ، فلمّا نزل أبو بكرة إلى النبيّ ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، حين حصر الطائف قال الحارث لنافع : أنت ولدي . وكان قد زوّج سميّة من غلام له اسمه عبيد ، وهو روميّ ، فولدت له زيادا . وكان أبو سفيان بن حرب سار في الجاهليّة إلى الطائف فنزل على خمّار يقال له أبو مريم السّلولي ، وأسلم أبو مريم بعد ذلك وصحب النبيّ ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، فقال أبو سفيان لأبي مريم : قد اشتهيت النساء فالتمس لي بغيّا . فقال له : هل لك في سميّة ؟ فقال : هاتها على طول ثدييها وذفر بطنها . فأتاه بها ، فوقع عليها ، فعلقت بزياد ، ثمّ وضعته في السنّة الأولى من الهجرة ، فلمّا كبر ونشأ استكتبه أبو موسى الأشعريّ لما ولي البصرة ، ثمّ إن عمر بن الخطّاب استكفى زيادا أمرا فقام فيه مقاما مرضيّا ، فلمّا عاد إليه حضر ، وعند عمر المهاجرون والأنصار ، فخطب خطبة لم يسمعوا بمثلها . فقال عمرو ابن العاص : للَّه هذا الغلام لو كان أبوه من قريش لساق العرب بعصاه ! فقال أبو سفيان ، وهو حاضر : واللَّه إنّي لأعرف أباه ومن وضعه في رحم أمّه . فقال عليّ : يا أبا سفيان اسكت فإنّك لتعلم أنّ عمر لو سمع هذا القول منك لكان إليك سريعا . فلمّا ولي عليّ الخلافة استعمل زيادا على فارس ، فضبطها وحمى قلاعها ، واتّصل الخبر بمعاوية ، فساءه ذلك وكتب إلى زياد يتهدّده ويعرّض له بولادة