ابن الأثير

115

الكامل في التاريخ

عذاب معاوية فإنّه أرسلني إلى غيرك وإنّي أخطأت بك . ففعل ذلك . فقال له أبو ذرّ : يا بنيّ قل له : واللَّه ما أصبح عندنا من دنانيرك دينار ولكن أخّرنا ثلاثة أيّام حتى نجمعها . فلمّا رأى معاوية أن فعله يصدق قوله كتب إلى عثمان : إنّ أبا ذرّ قد ضيّق عليّ ، وقد كان كذا وكذا ، للذي يقوله الفقراء . فكتب إليه عثمان : إن الفتنة قد أخرجت خطمها وعينيها « 1 » ولم يبق إلّا أن تثب فلا تنكإ القرح « 2 » وجهّز أبا ذرّ إليّ وابعث معه دليلا وكفكف الناس ونفسك ما استطعت . وبعث إليه بأبي ذرّ . فلمّا قدم المدينة ورأى المجالس في أصل جبل سلع قال : بشّر أهل المدينة بغارة شعواء وحرب مذكار . ودخل على عثمان فقال له : ما لأهل الشام يشكون ذرب لسانك ؟ فأخبره . فقال : يا أبا ذرّ عليّ أن أقضي ما عليّ وأن أدعو الرعية إلى الاجتهاد والاقتصاد وما عليّ أن أجبرهم على الزهد . فقال أبو ذرّ : لا ترضوا من الأغنياء حتى يبذلوا المعروف ويحسنوا إلى الجيران والإخوان ويصلوا القرابات . فقال كعب الأحبار ، وكان حاضرا : من أدّى الفريضة فقد قضى ما عليه . فضربه أبو ذرّ فشجّه ، وقال له : يا ابن اليهودية ما أنت وما هاهنا ؟ فاستوهب عثمان كعبا شجّته ، فوهبه . فقال أبو ذرّ لعثمان : تأذن لي في الخروج من المدينة ، فإنّ رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، أمرني بالخروج منها إذا بلغ البناء سلعا . فأذن له ، فنزل الرّبذة وبنى بها مسجدا ، وأقطعه عثمان صرمة من الإبل وأعطاه مملوكين وأجرى عليه كلّ يوم عطاء ، وكذلك على رافع بن خديج ، وكان قد خرج أيضا عن المدينة لشيء سمعه . وكان أبو ذرّ يتعاهد المدينة مخافة أن يعود أعرابيّا ، وأخرج معاوية إليه أهله ، فخرجوا ومعهم جراب مثقل يد الرجل ، فقال : انظروا إلى هذا الّذي يزهّد في الدنيا ما عنده ؟ فقالت امرأته : واللَّه ما هو دينار ولا درهم ولكنها

--> ( 1 ) . عقبها . P . C ( 2 ) . القوح . S